139 - أظهر كل شيء بأنه الباطن ، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر .
قلت : مضمنه أن اسمه تعالى الباطن يقتضي ظهور الأشياء حسّا ليكون باطنا بسبب ظهور حسها ، لأن الحس رداء أسرار المعاني ، واسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء : أي هلاكها واضمحلالها ، ليكون ظاهرا بما ظهر منها ، هذا معنى قوله : أظهر كل شيء بأنه الباطن : أي بسبب أنه الباطن ليتحقق بطونه بها ، وطوى وجود كل شيء بسبب أنه الظاهر ليتحقق انفراده بالظهور فيها . والحاصل : أن الحصر في قوله تعالى :
وَالظَّاهِرُ
يدل على أنه لا ظاهر معه فانطوى وجود الأشياء واضمحل لها ، وقوله :
وَالْباطِنُ
يدل على أنه لا باطن سواه ، فبطنت الأشياء كلها بعد ظهورها ، فدل كلامه سبحانه أن ما ظهر به هو الذي بطن فيه ، والذي بطن به هو الذي ظهر فيه ، وإلا لم يصح الحصر ، فإن قلت : المتقابلان لا يجتمعان كالضدين ، وكيف جمعتهما في ذات واحدة ؟ قلت : لم يتواردا على محل واحد ، بل ذلك باعتبارين ، فاسمه الظاهر باعتبار الحس في عالم الحكمة ، واسمه الباطن باعتبار المعنى في عالم القدرة ، فالحكمة ظاهرة ، والقدرة باطنة ، أو تقول : ظاهر باعتبار مظاهر الربوبية ، باطن باعتبار قوالب العبودية ، أو تقول : ظاهر باعتبار التعريف ، باطن باعتبار التكييف ، فالذات واحدة والاعتبارات مختلفة وذلك كثير ، فتحصل أن الحق سبحانه ظاهر في بطونه ، باطن في ظهوره ، ما ظهر به هو الذي بطن فيه ، وما بطن به هو الذي ظهر فيه ، أي ما ظهر فيه بحكمته هو الذي بطن فيه بقدرته ، وما بطن فيه بقدرته هو الذي ظهر فيه بحكمته ، وهو الذي قصده الشاعر بقوله :
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلا على أكمه لا يبصر القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * وكيف يعرف من بالعزة اسنترا
واللّه تعالى أعلم . تنبيه : قد كنت سألت الشيخين : أعني شيخنا وشيخه عن الخمرة الأزلية قبل تجليها هل تسمى ظاهرة باطنة أو إنما تسمى باطنة فقط للطافتها حينئذ ؟ فأجابني : بأن ما كان هو الذي ظهر ، وليس الذي ظهر غير ما كان في الأزل : « كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على