تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
تجليت بالتحقيق في كل صورة * ففي كل شيء من جمالي لوامع فما الكون في التمثال إلا كدحية * تصور روحي فيه شكل مخادع
ويسمون هذه الأسرار التي قامت بها الأكوان معاني ، ويسمون الأكوان أواني حاملة للمعاني ، فلو ظهرت المعاني لاضمحلت الأواني ، ومن وقف مع حس الأواني حجب عن أسرار المعاني ، وفي ذلك يقول الششتري رضي اللّه تعالى عنه :
لا تنظر إلى الأواني * وخض بحر المعاني علّك أن تراني
وقال ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه :
ولطف الأواني في الحقيقة تابع * للطف المعاني والمعاني بها تسمو
فالأواني كلها في الحقيقة تابعة للطف المعاني لأنها منها ، وإنما تكثفت في حق أهل الحجاب الذين وقفوا مع ظواهر الأشياء ، واشتغلوا بخدمة الحس قلبا وقالبا ، فعظم عليهم الحس وقويت دائرة حسهم وغلظ الحجاب في حقهم ، فعبادتهم حسية ، وفكرتهم حسية ، وذلك لصحبتهم أهل الحس ، ولو صحبوا أهل المعاني لاشتغلوا بخدمة المعاني حتى تتلطف لهم الأواني . قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي اللّه تعالى عنه : سألت الشيخ يعني سيدي العربي بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه فقلت : يا سيدي كنت أظن أنه لا يشفي غليل الإنسان إلا الحس يعني العبادة الحسية ، ولا ظننت قط أن فعل المعاني يشفي الغليل أبدا ، والآن وجدت نفسي بالعكس لا يشفي غليلها إلا المعاني ، فأجابني بأن قال : يا ولدي لما كانت همتك مشورة للحسيات ، أمدك اللّه فيها فصرت لا تقنع إلا بالحسيات ، والآن انعكس الأمر لما وافقت أهل المعاني أثرت معرفتهم فيك بتشوير همتك لبلاد المعاني ، ولما انقلبت همتك عن بلاد الحس وشورت لبلاد المعاني أمدك اللّه فيها فصرت تقطع بالمعاني ، كما كنت تقطع بالحسيات انتهى مختصرا . فكل من صحب أهل المعاني وانقلبت همته لبلاد المعاني ، حتى صارت عبادته باطنية معنوية تلطفت في حقه الأواني ولم ير إلا المعاني . قلت : ومما منّ اللّه عليّ بصحبة أهل المعاني أني إذا نظرت إلى الكون بعين بصيرتي من عرشه إلى فرشه ذاب وتلاشى ولم يبق له أثر ،