تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ البقرة : 105 ] . تنبيه : سئل سيدي أحمد بن يوسف الملياني رضي اللّه تعالى عنه عن ذات الحق تعالى هل هي معنوية أو حسية ؟ فقال : هي حسية لا تدرك ، قال سيدي عبد اللّه الهبطي رضي اللّه تعالى عنه : وهذا مما يدل على تحقيق معرفته . قلت : ذات الحق تعالى موجودة لطيفة ، لا تدركها الأبصار ، ولا تكيفها العقول ، متصفة بصفات المعاني والمعنوية ، ولو كانت صفة أو معنى كما يزعمه النصارى لم تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية ، لأن الصفة والمعنى لا يقوم بنفسه ولا بد أن يقوم بغيره ، والصفة لا تتصف بصفة أخرى . وأما قول بعض المتأخرين : المعنى لا يقبض إلا بالحس ، وقولهم أيضا : لا تنظر إلى الأواني ، وخض بحر المعاني ، وقولهم : الأكوان أواني ، حاملة للمعاني ، فاعلم أنه قد تقدم أنهم يطلقون على أسرار الذات وهي الخمرة الأزلية معاني لخفائها ولطافتها ، فأشبهت المعاني من هذا الوجه ، فتحصل أن الحس لا قيام له إلا بالمعنى وهي معاني أسرار الذات ، فصار قيام الأشياء كلها باللّه ولا وجود لها معه ، وهو الذي أشار إليه ابن الفارض بقوله :
وقامت بها الأشياء ثم لحكمة * بها احتجبت عن كل من لا له فهم
أي قامت الأشياء كلها بالذات العلية ، أي بأسرارها اللطيفة الأزلية ، وقولهم أيضا : الذات عين الصفات ، والصفات عين الذات ، فاعلم أنه لما كان لا ظهور للذات إلا من أنوار الصفات ، ولا قيام للصفات إلا بالذات ، والصفات لا تفارق الموصوف ، صار كأن هذا عين هذا ، فنطقوا بتلك العبارة تحويشا للجمع ، وفرارا من الفرق ، وهو اصطلاح منهم سموا ما تكثف ، وظهر للحس صفات ، وما بطن من سر الربوبية ذاتا ومعنى ، والصفات لا تفارق الموصوف ، كما تقول في الثلجة : ظاهرها ثلج وباطنها ماء ، فالثلج صفات ، والماء ذات الثلج حس ، والماء معنى للطافته وخفائه ، صار كأنه معنى . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في تفسير قوله تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] ، قال : في كل شيء اسم من أسمائه ، واسم كل شيء من اسمه ، فإنما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله ، باطنا بقدرته ، ظاهرا بحكمته ، ظهر بصفاته ، وبطن بذاته ، حجب الذات بالصفات ، وحجب الصفات بالأفعال ، وكشف العلم بالإرادة ، وأظهر الإرادة بالحركات ، وأخفى الصنع في الصنعة