وأظهر الصنعة بالذوات ، فهو باطن في غيبه ، وظاهر بحكمته وقدرته :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] انتهى ، نقله شارح « بداية السلوك » هكذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، فقوله : حجب الذات بالصفات : أي حجب أسرار الذات بأنوار الصفات ، وهي أثرها ، وقوله : وحجب الصفات بالأفعال ، لأن الأفعال ظروف للصفات لأنها أثر من آثارها ومظهرة لها ، وقوله : وكشف العلم بالإرادة : أي أظهر ما سبق في علمه بإرادته المخصصة لوقت إظهاره ، وقوله : وأظهر الإرادة بالحركات : أي أظهر ما سبق من إرادته بظهور الحركات الدالة على ما أراد ، وقوله : وأخفى الصنع في الصنعة : أي أخفى الصانع في صنعته ، وقوله :
وأظهر الصنعة بالذوات : أي أظهر قدرته في الأجرام وسائر الذات ، واللّه تعالى أعلم . وقول شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه : في كتابه « في تفسير الذات والصفات » : إن كل ما هو جلال فهو ذات ، وكل ما هو جمال فهو صفات ، فإنما ذلك على وجه التشبيه ، فإن تجلي الصفات كله جمال ، لأنه محل نزهة أرواح العارفين ، وبه يرتقي أهل الدليل إلى معرفة رب العالمين ، وهو الذي شبهه الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه بالرياض في قوله : فرياض الملكوت . . إلخ ، وأيضا هو الذي تمكن رؤيته وتحصل المعرفة به ، بخلاف تجلي الذات ، فإنه جلال محض ، إذ لو ظهر ذرة من نوره الأصلي بلا واسطة لاحترق الكون من أصله . وفي الحديث : « حجابه النار » ، وفي رواية « النور ، لو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره » ، فصار تجلي الصفات كله جمال ، وتجلي الذات كله جلال ، فأطلق وجه التشبيه أن كل ما يشق على النفس فهو ذات ، لأنه جلال كتجلي الذات ، وكل ما يخف على النفس فهو صفات ، لأنه جمال كتجلي الصفات ، واللّه تعالى أعلم . وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لأني لم أر من تكلم عليها ولا من شفي فيها الغليل ، وكنت كثير البحث عنها فلم أجد من يشفيني فيها ، وهذا ما ظهر لي فيها ، وما أنتجته فكرتي ، واللّه تعالى أعلم ، وباللّه التوفيق . ثم استدل على ظهوره في المكونات بقوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] ، فأشار إلى تفسير
وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
بقوله :