تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
ما خلقت لك العوالم إلا * لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى * حالة دون أن يرى مولاها
فأباح لك أيها الإنسان أن تنظر ما ذا في السماوات والأرض من النور اللطيف الذي قامت به الأشياء ، وما أباح لك أن تقف مع ذوات المكونات ، تقف مع القشر وتحجب عن اللب ؛ وقد تقدم قوله : الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة ، فمن وقف مع ظاهرها كان محجوبا ، ومن نفذ إلى باطنها كان عارفا محبوبا ، ولأجل هذا السر قال تعالى :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ
[ يونس : 101 ] : أي ما فيها من عظمته ومعاني أسرار ذاته وكمال قدرته وإرادته وسائر صفاته ، فقد فتح لك باب الأفهام جمع فهم : أي فتح لك باب الفهم لتدخل بها من ظاهر القشر إلى باطن اللب ، حتى تعرفه في كل شيء ، وتفهم عنه في كل شيء ، ولو قال الحق تعالى : قل انظروا السماوات لدلك على الأجرام ، وسد لك باب الأفهام ، وكيف يدلك على الأجرام وهي أغيار والأغيار مانعة من الدخول إلى شهود الأنوار ؟ ، ومثال ذلك في التقريب لو قال لك قائل : انظر هذه الثلجة لدلك على ظاهر جرمها ، ولو قال لك : انظر ما في هذه الثلجة لفتح لك باب الفهم إلى نظر ما في باطنها من الماء ، دون الوقوف مع ظاهر جرمها . واعلم أن الحق سبحانه ندب عباده إلى معرفة ذاته ودرجهم إليها شيئا فشيئا ، فمنهم من قصر ، ومنهم من وصل ، فدرجهم أولا إلى توحيد الأفعال ، وأنه لا فاعل سواه فقال تعالى :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
[ القصص : 68 ] ،
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
[ هود : 107 ] ،
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ الصافات : 96 ] ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
[ البقرة : 253 ] ، وقال في فعل غير الآدمي :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
[ هود : 56 ] ، وفي شأن الطير :
ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ
[ الملك : 19 ] ، وقال تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
[ الأنعام : 38 ] ، أي في قهر قبضتنا ، مقدرة آجالها ، مقسومة أرزاقها ، معدودة أنفاسها ، محفوظة أجسامها ، معلومة أماكنها ، ظاهرة أشباحها ، باطنة أنوارها . وقال في توحيد الصفات : وأنه لا سميع ولا بصير ولا قدير ولا متكلم إلا اللّه :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الإسراء : 1 ] ، أي دون غيره ، فلا سمع ولا بصر