ما عليه كان » ، يعني أن الذات العلية كما كانت متصفة بصفاتها وأسمائها في الأزل بقيت كذلك فيما لا يزال ، فكان في الأزل ظاهرا باطنا ، وبقي بعد التجلي كذلك ظاهرا لنفسه ، باطنا عن خلقه ، ما تجلى به ظاهرا هو فيه أيضا باطن . وقال القاشاني في شرح « تائية ابن الفارض » ما نصه بعد كلامه : وأظهر الحق تعالى سرد ذاته وصفاته في مظاهر أفعاله ، وما كان لخفائه عليه قبل ذلك كما حكاه عن المحبوبة بلسان الجمع في قوله :
مظاهر لي فيها بدوت ولم أكن * عليّ بخاف قبل موطن برزة
ولكن ليتجلى باسمه الظاهر آخرا ، كما كان متجليا باسمه الباطن أولا ، والعجب كل العجب أنه تعالى ما ظهر بشيء من مظاهر أفعاله إلا وقد احتجب به كما قال :
بدت باحتجاب واختفت بمظاهر * على صيغ الأكوان في كل برزة
انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه . والتحقيق أن يقال : الحق تعالى لم يزل متصفا بأسمائه وصفاته في الأزل وفيما لا يزال ، لكن ظهور آثارها وقع فيما لا يزال ، فكان متصفا باسمه الظاهر والباطن في الأزل ، وظهر بعد ذلك آثارهما فيما لا يزال ، واللّه تعالى أعلم . ثم بين كيفية النظر والاعتبار في المكونات لتعرف ظهوره تعالى فيها ، فقال :
140 - أباح لك أن تنظر في المكونات ، وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات ، قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ يونس : 101 ] ، فبقوله : انظروا ما ذا في السماوات فتح لك باب الأفهام ، ولم يقل : انظروا السماوات لئلا يدلك على وجود الأجرام .
قلت : إنما أبرز اللّه هذه المكونات وأظهر هذه العوالم ليعرف بها ويظهر نوره فيها ، قال تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الدخان : 38 : 39 ] ، وقال تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
[ المؤمنون : 115 ] . قال في « لطائف المنن » :
فما نصبت الكائنات لتراها ولكن لترى فيها مولاها ، فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها ، تراها من حيث ظهوره فيها ، ولا تراها من حيث كونيتها ، قال : ولنا في هذا المعنى :