تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
واضمحلت ، وفي الحديث : « حجابه النور ، لو كشف عنه لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره « 1 » » انتهى . وهذا معنى قوله : لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته : أي لو ظهرت نعوته الأصلية الأزلية لاضمحلت المكونات الحديثة ، إذ الكائنات كلها تكثيف للأسرار اللطيفة ، التي هي نعوت الخمرة الأزلية ، التي أشار إليها ابن الفارض في خمريته بقوله :
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى * ونور ولا نار وروح ولا جسم تقدم كل الكائنات حديثها * قديما « 2 » ولا شكل هناك ولا رسم
فلو ظهرت الأسرار اللطيفة لتلاشت الكائنات الكثيفة ، إذ لا ظهور للكثيف إذا رجع لطيفا ، وما مثال الكون إلا كالثلجة ظاهرها جامد وباطنها مائع ، فإذا ذوبت الثلجة رجعت إلى أصلها ماء ولم يبق للثلجة أثر ، فكذلك المكونات الحسية إذا ظهرت أسرارها اللطيفة التي قامت بها ذابت ذواتها الكثيفة وتلاشت ورجعت لأصلها ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب العينية بقوله :
وما الكون في التمثال إلا كثلجة * وأنت لها الماء الذي هو نابع فما الثلج في تحقيقنا غير مائه * وغيران في حكم دعته الشرائع ولكن بذوب الماء يرفع حكمه * ويوضع حكم الماء والأمر واقع
فمن وقف مع ظاهر الثلجة أنكر الماء الذي في باطنها وكان جاهلا بحقيقتها ، ومن نفذ إلى باطنها عرف أصلها وفرعها ، وكذلك الأكوان ظاهرها غرة لمن وقف مع كثافتها وباطنها عبرة لمن نفذ إلى أصلها ، قد مثلوا أيضا الكون بصورة جبريل حين كان يتصور في صورة دحية ، فمن رآه كثيفا قال : دحية وأنكر أن يكون ملكا ، ومن عرف أصله لم ينكره ولم يقف مع ظاهره ، فإذا تلطف ورجع إلى أصله ذهبت تلك الصورة واضمحلت ، فكذلك الكون إنما هو خيال ، فما دام موجودا في الحس رأى وظهر ، فإذا رجع إلى أصله بظهور أسراره التي قام بها اضمحل ، ولم يبق له أثر ، وقد أشار إلى هذا صاحب العينية أيضا بقوله :
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 161 ) . ( 2 ) بالمطبوع " قديم " والصحيح ما أثبتناه .
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 316 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى