138 - [ لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات ، ولو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته ] .
قلت : كان اللّه ولا شيء معه ، فكانت الخمرة الأزلية القديمة لطيفة خفية نورانية روحانية ، وليس هناك شكل ولا رسم ، متصفة بصفات المعاني والمعنوية ، متسمية بأسمائها القديمة ، منعوتة بنعوت الجلال والجمال ، فاقتضت الخمرة ظهور حسنها وجمالها ، واقتضت الصفات ظهور آثارها ، والأسماء ظهور مطالبها ، فقبضت الصفات من النور اللطيف قبضة نورانية لمقتضى اسمه الظاهر واسمه القادر ، فطلبها أيضا اسمه الباطن واسمه الحكيم ، فأبطنها في حال ظهورها ، وغطاها في حال بروزها ، فكانت ظاهرة باطنة ، ثم تفرعت تلك القبضة على تفاريع كثيرة بعدد الصفات ، وتنوعت على أجناس كثيرة بتنوع الأسماء : فالماء واحد والزهر ألوان .
وفي ذلك يقول صاحب العينية :
وكل الورى طرّا مظاهر طلعتي * مراء بها من حسن وجهي لامع
ظهرت بأوصاف البرية كلها * أجل لي ذوات الكل نوري ساطع
فبحر الجبروت فياض إلى عالم الملكوت ، ثم احتجب بالحكمة ، فصار ظاهره ظلمة وباطنه نورا ، ظاهره حكمة وباطنه قدرة ، ظاهره ملك وباطنه ملكوت ، والجميع جبروت . فإذا تقرر هذا علمت أن الأكوان لا وجود لها من ذاتها ، فلو لا ظهور الحق بها ما ظهرت ، ولا وقع عليها أبصار الخلق كما قال القائل :
من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محال
وقال آخر :
فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن * فما ثم موصول وما ثم بائن
بذا جاء برهان العيان فما أرى * بعيني شيئا غيره إذ أعاين
وظهوره تعالى بواسطة تجليات الأكوان فيه لطف كبير ، إذ لا يمكن شهوده ومعرفته إلا بواسطة هذه التجليات ، ولو ظهر بالأوصاف التي كان عليها في الأزل بلا واسطة لتلاشت الكائنات