شيء ، وعند كل شيء ، ومع كل شيء ، وقبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وفوق كل شيء ، وتحت كل شيء ، وقريبا من كل شيء ، ومحيطا بكل شيء ، بقرب هو وصفه ، وبحيطة هي نعته ، وعد عن الظرفية والحدود ، وعن الأماكن والجهات ، وعن الصحبة والقرب في المسافات ، وعن الدور بالمخلوقات ، وامحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن ، وهو هو : " كان اللّه ولا شيء معه " وهو الآن على ما عليه كان . انتهى . قال بعضهم : ونبه بقوله : وعد . . . إلخ ، على أن ما جرى من كلامه من الظروف ليست بزمانية ولا مكانية ، لأنها من جملة الأكوان ، وإنما هي أمور ذوقية ، فاعتقد كمال التنزيه وبطلان التشبيه ، وتمسك بقوله عز وجلّ :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] ، وسلم ذلك لأهله ، فإنهم على بصيرة فيما رمزوا إليه مما ذاقوه ووجدوه ، بل هو من محض الإيمان وخالص العرفان ، وهو حقيقة التوحيد وصفو الإيمان ، وأما قوله : وهو الآن على ما هو عليه كان ، وإن لم يرد في الحديث الصحيح ، فهو في نفسه صحيح ، وإذ لا وجود في الحقيقة للأشياء معه تعالى ، وإنما هي كالخيال ، ووجود الظلال ، فلا تنسخ أحديته ولا ترفع فردانيته . وبالجملة فمن غلب عليه شهود الأحدية ، وكوشف بسر الوحدانية ، واستغرق في الحقيقة العيانية ، انقطع الشعور بنفسه ، وغاب عن السوى بالكلية ، وإن رد إلى الشعور به رآه قائما به وظاهرا فيه وبه وحكما من أحكامه انتهى .
وقال في لطائف المنن : وأشبه شيء بوجود الكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظلال والظل : لا موجود باعتبار جميع مراتب الوجود ، ولا معدوم باعتبار جميع مراتب العدم .
وإذا ثبت ظلية للآثار لم تنسخ أحدية المؤثر ، لأن الشيء إنما يشفع بمثله ويضم إلى شكله ، كذلك أيضا من شهد ظلية الآثار لم تعقه عن اللّه ، فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار ، ومن هاهنا تبين لك أن الحجاب ليس أمرا وجوديّا بينك وبين اللّه تعالى ، ولو كان بينك وبينه حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه ولا شيء أقرب من اللّه ، فرجعت حقيقة الحجاب إلى توهم الحجاب انتهى . ولما قرر أمر الوحدة ونفى وجود الغيرية ، استشعر سائلا يقول له : وهذه المكونات الظاهرة فما نقول فيها مع ثبوت الوحدة ؟ فأجاب بأنها قائمة به ، ولولا ظهور نوره فيها ما ظهرت ، كما بين ذلك بقوله :