أصبحت صباحا قط إلا ظننت لا أمسي ، وما أمسيت قط إلا ظننت لا أصبح ، ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أني لا أتبعها بأخرى ، وكأني أنظر إلى
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا
[ الجاثية : 28 ] ، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون اللّه ، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة ، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « عرفت فالزم « 1 » » . فهذان الرجلان الأنصاريان أشرف نور الإيقان في قلوبهما ، وشرح اللّه به صدورهم « 2 » فرأيا ما كان آجلا عاجلا ، وما كان آتيا واصلا . وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح » ، قيل : يا رسول اللّه هل لذلك من علامة يعرف بها ؟ قال : « نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله « 3 » » ، أو كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم . وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه اللّه : اليقين نور يجعله اللّه في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته ، ويخرق به كل حجاب بينه وبينها حتى يطالع الآخرة كالمشاهد لها ، انتهى . قلت : فإذا تكامل إشراق نور الإيقان غطى وجود الأكوان ، ووقع العيان على فقد الأعيان ، ولم يبق إلا نور الملك الديان ، كما أشار إلى ذلك بقوله :
137 - ما حجبك عن اللّه وجود موجود معه ، إذ لا شيء معه ، ولكن حجبك عنه توهّم موجود معه .
قلت : الحق تعالى ظاهر ، ونوره للبصائر باهر ، وإنما حجبه مقتضى اسمه الحكيم واسمه القاهر ، فما حجبك عن شهود الحق وجود شيء معه :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ النمل : 63 ] ، ولكن حجبك عن شهوده توهم وجود موجود معه ، ولا شيء معه ، وكما كان ولا شيء ، بقي ولا شيء :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ
هامش
( 1 ) رواه القضاعي في الشهاب ( 2 / 127 ) ، وأبو نعيم ( 1 / 242 ) ، والعقيلي ( 2 / 291 ) .
( 2 ) كذا بالأصول ، ولعلها : صدورهما .
( 3 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 2 / 356 ) .