تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
فما الدنيا بباقية لحيّ * وما حيّ على الدنيا بباقي
فلو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة الآتية حاضرة لديك ، أقرب إليك من أن ترحل إليها ، إذ هي الراحلة إليك والمدركة لك ، ولرأيت محاسن الدنيا الوهمية الفانية ، قد ظهرت كسفة الفناء عليها ، أي قد انكسف نور وجودها بظهور ظلمة فنائها ، فصار ما كان ظاهرا باطنا ، وما كان باطنا صار ظاهرا ، وما كان كثيفا صار لطيفا ، وما كان لطيفا صار كثيفا ، وما كان غيبا صار شهادة ، وما صار شهادة صار غيبا ، وإنما بعد ذلك عن الخلق ضعف إيمانهم وقلة نور إيقانهم ، ولو أشرق نور اليقين في قلوبهم ، لرأوا الدنيا مكسوفة أنوارها ، بادية عوارها ، كما رآها حارثة رضي اللّه تعالى عنه حين أخبر عن حقيقة إيمانه ، فقد روي عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال : بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يمشي إذ استقبله شابّ من الأنصار ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصحبت مؤمنا باللّه حقّا ، فقال له : انظر ما تقول ، فإن لكل قول حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ فقال : يا رسول اللّه عزفت نفسي عن الدنيا » أي أدبرت وهربت « فأسهرت ليلى ، وأظمأت نهاري ، فكأني بعرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال له : « أبصرت فالزم ، عبد نوّر اللّه الإيمان في قلبه » ، قال يا رسول اللّه ادع اللّه لي بالشهادة ، فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقتل يوم بدر شهيدا ، فجاءت أمه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فقالت : يا رسول اللّه قد علمت منزلة حارثة مني ، فإن يكن في الجنة أصبر ، وإن لم يكن في الجنة تر ما أصنع ، فقال : أو هبلت ؟ أجنة هي ؟ إنها جنان ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ، فرجعت تضحك وتقول : بخ بخ يا حارثة « 1 » » انتهى . وكما رآها معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه حين دخل على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يبكي فقال له : « كيف أصبحت يا معاذ ؟ قال : أصبحت مؤمنا ، فقال : إن لكل قول مصداقا ، ولكل حق حقيقة ، فما مصداق ما تقول ؟ فقال : يا رسول اللّه ما
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 7 / 362 ) ، والحكيم في النوادر ( 4 / 74 ) ، والعقيلي ( 4 / 455 ) .