تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
والحاصل : أن صحبة من يوصل إلى اللّه فما هي إلا صحبة اللّه ، إذ ما ثم سواه ، والنظر إلى العارف باللّه ، فإنما هو نظر إلى اللّه ، إذ لم تبق فيه بقية عليه لغير اللّه ، فصار نورا محضا من نور اللّه ، وفيهم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن للّه رجالا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا » انتهى . وهم موجودون لا ينقطعون أبدا ، ظاهرون ظهور الشمس لا يخفون إلا على من أراد اللّه منه طردا وبعدا ، والعياذ باللّه من السلب بعد العطاء ، ومن سوء القضاء ، وشماتة الأعداء ، وعضال الداء ، وخيبة الرجاء ، وزوال النعمة ، وفجأة النقمة ، آمين ، ثم فائدة صحبة العارفين ، وهي حصول اليقين ، كما أشار إليه بقوله :

136 - لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها ، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها .

قلت : اليقين هو العلم الذي لا يزاحمه وهم ، ولا يخالطه ريب ، ولا يصحبه اضطراب مشتقّ من يقن الماء ، إذا حبس ولم يجر ، شبه به العلم إذا صحبته الطمأنينة ، ولم يبق للقلب فيه تحرك ولا اضطراب ، وإشراق نوره هو ظهور أثره على الجوارح ، فيظهر فيها الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، ويظهر منه الانحياش إلى اللّه ، والاشتياق إلى حضرة جماله ، والسكون والخضوع تحت قهر جلاله ، والمسارعة إلى ابتغاء مرضاته ، والمبادرة إلى مظان محابه ، ولهج اللسان بذكره ، وشغل القلب بالفكرة في عظمته ، وهيمان الروح في حضرة قربه ، وسكرها من شراب حبه ، واغتمارها بشهود قربه ، فهذه علامة إشراق نور اليقين في القلب ، ومن علامته أيضا أن يصير الآجل عاجلا ، والبعيد حاصلا ، والغيب شهادة :
إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
[ الأنعام : 134 ] ، ولنا في هذا المعنى :
فلا ترضى بغير اللّه حبّا * وكن أبدا بعشق واشتياق ترى الأمر المغّيب ذا عيان * وتحظى بالوصال وبالتلاقى
كنت ذيلت بهما قول القائل :
فلا دهش وحامى الحي حيّ * ولا عطش وساقي القوم باقي