« استحيوا من اللّه حقّ الحياء ، قالوا : إنا نستحيي والحمد للّه ، قال لهم : الحياء من اللّه حقّ الحياء ، أن تحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وتذكّر القبر والبلى ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللّه حقّ الحياء « 1 » » انتهى . فالصاحب الذي يدوم لك هو الذي يصحبك وهو عالم بعيبك ، لأن ذلك داع للسلامة من التكلف والرياء والتصنع ، وليس ذلك إلا مولاك العالم بخفاياك ، المطلع على سرك وعلانيتك ، إن عصيته سترك ، وإن اعتذرت إليه قبل عذرك . وقد قيل : من الحكمة في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ التوبة : 111 ] ، مع أن الكل ملكه ثلاثة أشياء : أحدها : البشارة بعدم الرد بالعيب ، لأن المشتري عالم به . الثاني : ليسلم العبد نفسه إليه فيتولى تدبيره ، إذ لا يتم بيع إلا بالتسليم ، ولا كفالة إلا بعد إقباض . الثالث : إظهارا لتمام الفضل في ظهور النسبة للّه سبحانه . وذكر الصحبة في جانب الحق وقعت في حديث :
« أنت الصاحب في السّفر « 2 » » . واختلف في إطلاقه في غير ذلك المحل ، والظاهر أن الشيخ يرى ذلك في محل إشارة الأدب والانحياش ، وعليه مر أبو حامد الغزالي في بعض كتبه ، قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه . واعلم أن الأمر الذي يرغب في الصحبة ويعقد المحبة والمودة أمران : أحدهما : ما تقدم من كون الصاحب يغطي شينك بحمله ويستر وصفك بوصفه . والثاني : كونه يحبك ويطلبك إلى حضرته من غير غرض ولا منفعة له في صحبتك ، وإلى الثاني أشار بقوله :
[ خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه ] .
قلت : ولا يوجد هذا الوصف المجيد إلا للغني الحميد ، الفعال لما يريد ، يحب من يشاء بلا علة ولا سبب ، ويمقت من يشاء بلا ضرر يلحقه ولا تعب ، يقرب من
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 637 ) ، والنسائي ( 5 / 322 ) ، والبيهقي في الشعب ( 6 / 142 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 209 ) .
( 2 ) رواه مسلم ( 2 / 978 ) ، والترمذي ( 5 / 497 ) ، والنسائي في الكبرى ( 4 / 460 ) ، وأحمد ( 2 / 433 ) .