ولما كانت المعصية بساط الذل والاحتقار كما تقدم ، وهي أقرب لمقام العبودية ، والطاعة بساط العز والرفعة ، فافتقرت إلى حلم اللّه أكثر ، صار الناس يطلبون الستر في المعصية أو عنها خوفا مما ينشأ عنها ، كما أبان ذلك بقوله :
133 - السّتر على قسمين : ستر عن المعصية ، وستر فيها ، فالعامة يطلبون الستر من اللّه فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق ، والخاصّة يطلبون الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحقّ .
قلت : الستر : هو الحفظ والتغطية ، وهو في الحس من الآفات والبليات التي توجب هلاكه ، وفي المعنى من الفضيحة والمقت وسقوط المرتبة . وهو باعتبار المعصية على قسمين : قسم : يقع الستر فيها فلا يفضح صاحبها ، وقسم : يقع الستر عنها فلا يقع العبد فيها ولو طلبها لما شمله من حفظ اللّه ورعايته . فالعامة يطلبون الستر من اللّه فيها مع وقوعها لئلا يسقطوا من عين الخلق ، فهم :
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
[ النساء : 108 ]
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ
[ التوبة : 62 ] ، فمحط نظرهم إنما هو شهود الخلق غائبين عن نظر الملك الحق ، وذلك لضعف إيمانهم ، وقلة يقينهم ، وانطماس بصيرتهم ، وفي بعض الأخبار : « يقول اللّه تبارك وتعالى : يا عبادي إن كنتم تعتقدون أنّي لا أراكم فالخلل في إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أنّي أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم » انتهى . وأما الخاصة فهم يطلبون من اللّه الستر عنها والعصمة منها ، خشية أن يسقطوا من عين الحق ، لأن صدور المعصية من العبد سوء أدب ، ومن أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب ، فإذا وقعت منهم معصية بادروا إلى الاعتذار ، وصحبهم الخجل والانكسار ، ثم جدوا في سيرهم ولم يقفوا مع نفوسهم ، إذ لا وجود لها في نظرهم ولا التفات لهم إلى الخلق ، إذ لم يبق في نظرهم إلا الملك الحق ، غابوا بشهود الحق عن رؤية