تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
الخلق ، أو بشهود المعنى عن رؤية الحس ، أو بشهود الموسوط عن الواسطة . وأما خاصة الخاصة فلا يطلبون شيئا ولا يخافون من شيء ، صارت الأشياء عندهم شيئا واحدا ، واستغنوا بشهود واحد عن كل واحد ، فهم ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة فيتلقونه بالقبول والرضا ، فإن كان طاعة شهدوا فيها المنة ، وإن كان معصية شهدوا فيها القهرية ، وتأدبوا مع اللّه فيها بالتوبة والانكسار ، قياما بأدب شريعة النبي المختار صلى اللّه عليه وآله وسلم . وقد وردت أحاديث في المقامات الثلاثة تعليما للأمة ، فقد دعا صلى اللّه عليه وآله وسلم بالستر على المساوئ ومنها ، وهي العصمة والحفظ ، وطلب مقام الرضا والتسليم لأحكام اللّه القهرية ، كل ذلك منشور في كتب الأحاديث فلا نطيل به . ثم إذا ستر الحق تعالى مساوئك وذنوبك ، ثم توجه الناس إليك بالتعظيم والمجد والتكريم ، فاعرف منة اللّه عليك ، وانظر من الممدوح في الحقيقة هل أنت أو من ستر مساوئك ؟ كما أبان ذلك بقوله :

134 - من أكرمك فإنّما أكرم فيك جميل ستره ، فالحمد لمن سترك ، ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك .

قلت : إذا كان الحق تعالى تولى حفظك برعايته ، وستر مساوئك بستر عنايته ، فغطى وصفك بوصفه ونعتك بنعته ، ثم توجه الناس إليك بالتعظيم والتمجيد والتكريم ، فاعرف منة اللّه عليك ، وانعزل عن شهود نفسك ، فمن أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
[ النساء : 83 ] ،
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ النور : 21 ] ، فالحمد في الحقيقة إنما هو لمن سترك لا لمن أكرمك ، إذ لو أظهر للناس ذرة من مساوئك لمقتوك وأبغضوك ، فاشكر اللّه على ما أسدى إليك من الكرم ، وغطى عليك من المساوئ التي توجب أنواع الإذاية والنقم .