افتقارنا إلى علمه وعفوه في حال الطاعة أعظم من افتقارنا إليه في حال المعصية ، كما أبان ذلك بقوله :
132 - أنت إلى حمله إذا أطعته أحوج منك إليه إذا عصيته .
قلت : وذلك لأن الطاعة بساط العز والرفعة ، وللنفس فيها شهوة ومتعة ، ولأن الناس يلحظون صاحب الطاعة الظاهرة ، وينظرونه بعين التعظيم ، ويبادرون إليه بالخدمة والتكريم ، وكل ما عظم في عين الخلق سقط من عين الحق ، إن كان يفرح بذلك ويقنع به دون الملك الحق ، بخلاف المعصية فإنما هي بساط الذل والانكسار ، ومحل السقوط والاحتقار ، وكل ما سقط من عين الخلق عظم في عين الحق ، فكان العبد في حال طاعته لربه أحوج إلى حلمه وعفوه منه في حال معصيته ، لأن الطاعة التي ينشأ عنها العز والاستكبار أقبح من المعصية التي تورث الذل والافتقار ، بل في الحقيقة ليست بطاعة ، لأن الطاعة التي توجب البعد ليست بطاعة ، والمعصية التي توجب القرب ليست بمعصية . وفي الحديث :
« يقول اللّه تبارك وتعالى : أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي « 1 » » ، ومن كان اللّه عنده فهو أعظم من ألف مطيع توجب له طاعته طرده وبعده . أوحى اللّه تعالى إلى بعض الأنبياء عليهم السلام : « قل لعبادي الصّدّيقين لا يغترّوا ، فإنّي إن أقم عليهم عدلي وقسطي أعذّبهم غير ظالم لهم ، وقل لعبادي الخاطئين لا ييأسوا من رحمتي ، فإنّه لا يكبر عليّ ذنب أغفره « 2 » » انتهى . وقال الشيخ أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه : توبة المعصية واحدة ، وتوبة الطاعة ألف توبة ؛ وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا صلى استغفر ثلاثا تعليما للأمة في شهود التقصير ، وإلا فلا استغفار من طاعة ، ولا ذنب على المختار صلى اللّه عليه وآله وسلم .
هامش
( 1 ) رواه أحمد في جامع العلوم والحكم ( 1 / 198 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 234 ) ، والمناوي في فيض القدير ( 1 / 519 ) .
( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 3 / 48 ) ، والديلمي في الفردوس ( 1 / 145 ) .