تعالى لكرمه وجوده إذا رأى منك صدق الطلب وأراد أن يوصلك إليه وصلك إلى وليّ من أوليائه ، وأطلعك على خصوصيته واصطفائه فلزمت الأدب معه ، فما زال يسير بك حتى قال لك : ها أنت وربك ، فحينئذ يستر الحق تعالى وصفك الذي هو وصف العبودية بوصفه الذي هو وصف الحرية ، فتتخنس أوصاف البشرية بظهور أوصاف الروحانية ، ويغطي أيضا نعتك الذي هو الحدوث بنعته الذي هو القدم ، أو يغطى نعتك الذي هو العدم بنعته الذي هو الوجود . وقال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : ستر فقرك بغناه ، وذلك بعزه ، وعجزك بقدرته ، وضعفك بقوته ، ويصرفك عن شهود ذلك منك وإليك بشهود ما منه إليه انتهى . قلت : وهو لازم لما فسرته به من وصف العبودية ونعت الحرية ، فوصلك حينئذ بما منه عليك من الإحسان ، واللطف والامتنان ، لا بما منك إليه من المجاهدة والطاعة والإذعان ، ومثال النفس كالفحمة كلما غسلتها بالصابون زاد سوادها ، فإذا اشتعلت فيها النار ونفخ فيها الريح كستها النار ولم يبق للون الفحمة فيها أثر ، فكذلك أوصاف البشرية إذا كساها نور الروحانية تغطت ظلمة البشرية ، ولم يبق لها أثر فتنقلب البشرية في صفة روحانية ، وفي ذلك يقول الششتري في بعض أزجاله :
فمتى ما يبين لي * زالت البشريّا
وتحوّلت غيري * في صفا روحانيّا
والنار التي تحرق البشرية : هي مخالفة الهوى ، وتحمل النفس ما يثقل عليها ، كالذل والفقر ونحوهما مع دوام ذكر الاسم المفرد ، فكلما فني فيه ذابت بشريته وقويت روحانيته حتى تستولي على بشريته ، فحينئذ يكون الحكم لها فتغيب في نور مذكورها ، وتغرق في شهود عظمة محبوبها ، فحينئذ يحصل الوصال ، ويتحقق الفناء في ذي العظمة والجلال .