128 - ليس الشأن وجود الطلب ، إنّما الشأن أن ترزق حسن الأدب .
قلت : قد تقدم في أول الكتاب أن الطلب كله مدخول عند المحققين أولي الألباب ، لما يقتضيه من وجود النفس ، والوقوف مع الحس ، إذ العارف المحقق لم تبق له حاجة يطلبها ، لأنه قد حصل له الغنى الأكبر ، وفاز من مولاه بالحظ الأوفر ، وهو معرفة مولاه ، والغيبة عما سواه ، فإذا فقد من أوجدك فليس الشأن وجود صورة الطلب ، وإنما الشأن أن تستغني به عن كل مطلب ، وترزق معه حسن الأدب ، والاكتفاء بعلم اللّه والوقوف مع مراد اللّه . قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : والأدب على ثلاثة أوجه : آداب في الظاهر وذلك بإقامة الحقوق ، وآداب في الباطن بالإعراض عن كل مخلوق ، وآداب فيهما وذلك بالانحياش للحق ، والدوام بين يديه على بساط الصدق ، وذلك هو جملة الأمر وتفصيله وتفريعه وتأصيله انتهى . فالطلب عند العارفين ليس هو بلسان المقال ، وإنما هو بلسان الحال وهو الاضطرار وظهور الذلة والافتقار ، كما نبه عليه بقوله :
129 - ما طلب لك شيء مثل الاضطرار ، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار .
قلت : إنما كان طلب العارفين بلسان الحال دون المقال ، لما حققهم به من وجود معرفته حتى شهدوا منته في محنته ، ونعمته في نقمته ، فإذا تجلى لهم بالقوة والجلال تلقوه بالضعف والإذلال ، فحينئذ يتجلى لهم باسمه الجميل ، فيمنحهم كل جميل ، وإذا تجلى لهم باسمه العزيز أو القهار تلقوه بالذلة والافتقار ، فتتوارد عليهم المواهب الغزار . فإذا أردت أيها العارف أن تطلب من مولاك شيئا جلبا أو دفعا فعليك بالاضطرار ، والاضطرار : هو أن يكون كالغريق في البحر ، أو الضال في التيه القفر ، ولا يرى لغياثه إلا مولاه ، ولا يرجو لنجاته من هلكته أحدا سواه ، فما طلب لك من مولاك شيء مثل اضطرارك إليه ، والوقوف بين يديه متحليا بحلية العبيد ، هنالك تنال كل ما تريد ، كما قال الشاعر :