عباد رضي اللّه تعالى عنهم ، واللّه تعالى أعلم . وهذا الأمر الذي ذكرناه من القوة التي في العارفين ، لا يجهله إلا من لم يبلغ مقامهم ، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم . وسر هذه القوة التي ظهرت في العارفين هو من جهة الروح ، وذلك أن الروح جاءت من عالم العز والقوة ، فلما ركبت في هذا البدن حجبت وقهرت ، فأرادت الرجوع إلى أصلها فطلبته بالعز الأصلي والقوة الأصلية فمنعت منه وأتت من كوة الذل والافتقار ، وخرقت عوائد نفسها فانخرقت لها حينئذ الحجب ، فرجعت إلى أصلها ، فلما رجعت إلى أصلها اتصفت بالقوة التي كانت لها ، فأمرت أن تجعل ذلك في باطنها ففعلت ، لكن ربما رشح شيء من ذلك على الظاهر غلبة ، ولذلك ذكر الشيخ خرق العوائد بأثر ذكر التحقق بالعبودية فقال :
127 - كيف تخرق لك العوائد ، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد .
قلت : العوائد : كل ما تعودته النفس وألفته واستمرت معه حتى صعب خروجها عنه سواء كان ظلمانيّا أو نورانيّا ، كتتبع الفضائل وكثرة النوافل ، وهي على قسمين : عوائد ظاهرة حسية ، وعوائد باطنة معنوية . فمثال العوائد الحسية :
كثرة الأكل والشرب والنوم واللباس وخلطة الناس والدخول في الأسباب ، وكثرة الكلام والمخاصمة والعتاب والاستغراق في العبادة الحسية أو العلوم الرسمية وغير ذلك . ومثال العوائد المعنوية : حب الجاه والرياسة وطلب الخصوصية ، وحب الدنيا والمدح ، وكالحسد والكبر ، والعجب والرياء ، والطمع في الخلق ، وخوف الفقر وهم الرزق ، والفظاظة والقسوة ، وغير ذلك مما تقدم ، فمن خرق من نفسه عوائدها الحسية بالرياضات القهرية خرقت له العوائد الحسية : كالطيران في الهواء والمشي على الماء ، ونفوذ الدعوة وغير ذلك من الكرامات الحسية ، ومن خرق من نفسه عوائدها المعنوية خرقت له العوائد الباطنة : كرفع حجب الغفلة وتطهير القلوب ، وكشف الحجاب وفتح الباب ،