تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
وقال تعالى :
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ
[ عبس : 23 ] ، أي لم يقض الإنسان ما أمره سيده على الوجه الذي أمره به ، وانظر قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
[ الأحقاف : 16 ] . ولم يقل الحق تعالى نتقبل منهم ، لأنه يقتضي أنه كامل بل عداه بعن المفيدة للتجاوز كأنه قال : أولئك الذين نتجاوز عنهم في أحسن ما عملوا فنتقبلها منهم ، ولو لم يتجاوز عنهم فيها ما تقبلت منهم ، ولكن الكريم لا ينتقد بل يقبل كل ما يعطاه لعظيم كرمه وغناه . فالحمد دائما للّه حيث خلق فينا العمل وأعطانا عليه غاية المنى والأمل ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

123 - إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق فيك ونسب إليك .

قلت : الحق تعالى فاعل بالمشيئة والاختيار :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] ، أي لا يسأل عما يفعل حقيقة وهم يسألون شريعة . ثم إن الحق سبحانه وتعالى قسم عباده على ثلاثة أقسام : قسم : أعدهم للانتقام ، فأظهر فيهم اسمه المنتقم واسمه القهار ، أجرى عليهم صورة العصيان بحكمته ، ونسبها إليهم بعدله وقهره ،
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ
[ الأنعام : 112 ] ،
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
[ الأنعام : 107 ] ، فقامت الحجة عليهم باعتبار النسبة وإظهار الحكمة :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] ،
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ النحل : 118 ] . وقسم : أعدهم اللّه للحلم ، ليظهر فيه اسمه الحليم واسمه الرحيم ، أجرى عليهم العصيان ، وحلاهم بالإيمان فاستحقوا العقوبة على العصيان ، ثم إن الحق تعالى حلم عليهم وعفا عنهم وأدخلهم الجنان . وقسم : أعدهم اللّه للكرم ، ليظهر فيهم اسمه الكريم واسمه الرحيم ، خلق فيهم الطاعة والإحسان ، وحلاهم بالإسلام والإيمان ، وربما زادهم التجلي بالإحسان ، فأدخلهم فسيح الجنان ومتعهم بالنظر إلى وجه الرحمن ، فإذا أراد اللّه تعالى أن
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 286 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى