124 - لا نهاية لمذامّك إن أرجعك إليك ، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك .
قلت : إذا أراد اللّه إهانة عبد وإذلاله رده إلى نفسه وهواه فأحيل عليها
ووكل إليها فيوليه ما تولى ، فإذا استولى عليه الهوى أعماه وأصمه ، وفي مهاوي الردى أسقطه كما قال الشاعر :
ترك يوما نفسك وهواها * سعي لها في رداها
فالهوى مختصر من الهوان ، وموجب له كما قال البرعي رحمه اللّه :
لا تتبع النفس في هواها * إنّ اتّباع الهوى هوان
إذا أراد اللّه إعزاز عبده وعنايته أظهر عليه جوده وكرمه فتولاه وحفظه ، ولم يتركه مع نفسه وهواه طرفة عين ولا أقل من ذلك ، فلا نهاية لمذامك أيها الإنسان إن ردك إلى نفسك وحكمها فيك وتركك مع هواك ، لأن ذلك من علامة الإهمال وسقوطك من عين الكبير المتعال ، والعياذ باللّه من كل خسر ووبال ، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك فتولاك بحفظه ورعاك بعنايته وحجزك عن نفسك ، وحال بينك وبين تدبيرك وحدسك . ومن دعائه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة ، وإنّي لا أثق إلا برحمتك « 1 » » . والحاصل : أنك إن كنت بربك تكامل عزك ولا يتناهى مدحك ، وإن كنت بنفسك تكامل ذلّك ولا يتناهى ذمك ، كما قال الشاعر :
إذا كنّا به تهنا دلالا * على كلّ الحرائر والعبيد
وإن كنّا بنا عدنا إلينا * فعطّل ذلّنا ذلّ اليهود
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 5 / 191 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 697 ) ، والطبراني في الكبير ( 5 / 119 ) ، والبيهقي في الشعب ( 1 / 476 ) .