وإذا قال :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
. قال اللّه تعالى : مجّدني عبدي . فإذا قال :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
. قال اللّه تعالى : فوض إلى عبدي . فإذا قال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
. قال اللّه تعالى : هذه بيني وبين عبدي . فإذا قال :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
. قال اللّه هذه لعبدي ، ولعبدي ما سأل « 1 » » . الحديث .
فلا يزال المصلي يناجي ربه ويطلب قربه ، حتى تتمكن المحبة من القلب والإقبال من الرب ؛ فتصفو المحبة من كدر الجفا ، ويتصل المحب مع حبيبه في محل الصفا ، وهو معنى قوله : [ ومعدن المصافاة ] . وهي النتيجة الرابعة . قلت : المعدن هو محل الذهب والفضة ، استعير هنا لصفاء القلوب والأرواح لتصفيتها من لوث صلصال الأشباح ، فالمصافاة خلوص المناجاة من تشويش الحس وكدر الهواجس ، فهي أرق وأصفى من المناجاة كما قال ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه :
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا * سرّ أرقّ من النسيم إذا سرى
وهذه مصافاة العبد لربه ، ومصافاة الرب لعبده بالإقبال عليه حتى لا يدعه لغيره . وفي الخبر : « إنّ العبد إذا قام إلى الصلاة رفع اللّه الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهويّ يصلون بصلاته « 2 » » انتهى . فإذا تمت التصفية ، وعظمت المحبة ، وكثر العطش ، وظهر الدهش استحقت الروح رفع الحجاب وفتح الباب ، فتدخل إلى حضرة الأحباب ، ويرتفع بينها وبينهم الحجاب فتخرج من ضيق الأشباح إلى فضاء عالم الأرواح ، أو من ضيق الملك إلى سعة عالم الملكوت ، وهو معنى قوله : [ تتّسع فيها ميادين الأسرار ] . وهي النتيجة الخامسة . قلت : الميادين : جمع ميدان ، وهو مجال الخيل ، استعير هنا لفضاء عالم الملكوت . فإذا تنزهت الروح في عالم الملكوت وجالت
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 296 ، 197 ) ، والترمذي ( 5 / 201 ) ، والنسائي في الكبرى ( 5 / 11 ) ، وأحمد ( 2 / 285 ) .
( 2 ) لم أقف عليه .