الدنيا ما دامت في اليد وهو معمور بها ، لا يسلم القلب من خواطرها حتى يخرج عنها ، وحينئذ يستريح من مساوئها ، واللّه تعالى أعلم . ومما يعين أيضا على الخشوع : الإكثار من ذكر اللّه بالقلب والقالب وإدمان الطهارة ، لأن الظاهر له تعلق بالباطن ، إذا طهر هذا طهر هذا ، وباللّه التوفيق .
ثم ذكر نتائج الصلاة وثمراتها ، ومرجعها إلى ستّ كل واحدة توصل إلى ما بعدها :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] ، فأشار إلى الأولى بقوله :
119 - الصلاة مطهرة للقلوب .
قلت : إنما كانت الصلاة طهارة للقلوب من المساوئ والعيوب ، لما فيها من الخضوع والانكسار ، والذل والافتقار ، والتذلل والاضطرار ؛ فإذا خضع القلب لهيبة الجلال طهر من سائر العلل ، لأن طلب العلو والرفعة هو أصل العلل وعنصرها ، ومن شأن النفس وطبيعتها طلب العلو والاستكبار والتعزز والافتخار ، لأنها جاءت من عالم العز فلا ترضى إلا بالعز ، وإلى هذا أشار شيخ شيوخنا المجذوب بقوله :
من أين جئتي يا ذي الرّو * ح الهائما روحانيّا
مقامها بساط الع * زّ أحوالها ربّانيّا
فلما ركبت في هذا القالب الجسماني ردتها القهرية إلى العبودية ، وجعلتها لها بابا للوصول إلى حضرة الربوبية ، فلا يطمع لها في الرجوع إلى أصلها إلا بانكسارها وذلها ، ولذلك قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه : أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها ازدحاما فأتيت باب الذل والانكسار فوجدته خاليا ، فدخلت منه وقلت : هلمّوا إلى ربكم ، هكذا سمعته من أشياخنا ، فإذا انكسرت وذلت رجعت لأصلها ووصلت ، وإذا تعززت واستكبرت حجبت وطردت ، وإذا طردت بعدت ، وكلما بعدت عن الحضرة