الربانية استحكمت فيها الشهوات الجسمانية والأخلاق الشيطانية ، فاتصفت حينئذ بكل خلق دنيء وبعدت من كل خلق سنيّ . فإذا أراد اللّه تعالى أن يرحمها بالقرب من جنابه والوقوف ببابه ألهمها الصلاة وحببها إليها ، حتى إذا تطهرت من الذنوب ومحيت عنها المساوئ والعيوب قربت من حضرة الحبيب ومناجاة القريب ، فقرعت الباب وطلبت رفع الحجاب ، وهذا معنى قوله :
[ واستفتاح لباب الغيوب ] . وهي النتيجة الثانية من نتائج الصلاة . قلت :
المراد بالغيوب أسرار الملكوت وأسرار الجبروت ، وإنما كانت الصلاة استفتاحا لباب الغيوب ، لما اشتملت عليه من تطهير الظاهر والباطن . قال محمد بن علي الترمذي الحكيم رضي اللّه تعالى عنه : دعا اللّه الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم ، وهيأ لهم فيها أنواع الضيافة لينال العبد من كل قول وفعل شيئا من عطاياه ؛ فالأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة ، وهي عرش الموحدين هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتى لا يبقى عليهم دنس من الأغيار انتهى . فإذا تطهر الظاهر بالطهارة الحسية ، والباطن بالطهارة المعنوية ، استحق الدخول إلى الحضرة القدسية ، فأول ما يتحف به قربه إلى الباب وسماع خطاب الأحباب من وراء حجاب فيتمتع بمناجاة الأحباب ولذيذ الخطاب ، وهو معنى قوله :
120 - الصلاة محل المناجاة .
وهي النتيجة الثالثة . قلت : المناجاة هي المساررة والمكالمة مع الأحباب ، فمناجاة العبد ربه بالتلاوة والأذكار ، ومناجاة الرب لعبده بالتلبية والفتح ورفع الأستار .
وفي الحديث الصحيح : « المصلّي يناجي ربّه « 1 » » ، وقال أيضا صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يقول اللّه تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
قال تعالى : حمدني عبدي .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 198 ) ، والنسائي في الكبرى ( 5 / 32 ) ، والطبراني في الكبير ( 11 / 32 ) .