وآله وسلم ، فالمصلون كثير والمقيمون قليل ، فأهل الأشباح كثير وأهل القلوب قليل . قال أبو بكر بن العربي المعافري رحمه اللّه : ولقد رأيت ممن يحافظ عليها آلافا لا أحصيها ، فأما من يحافظها بالخشوع والإقبال فما أستوفي منهم خمسة .
وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : كل موضع ذكر فيه المصلون في موضع المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة إما بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها ، قال اللّه سبحانه :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
[ البقرة : 3 ] ،
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ
[ إبراهيم : 40 ] ،
وَإِقامَ الصَّلاةِ
[ الأنبياء : 73 ] ،
وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ
[ الحج : 35 ] ، ولما ذكر المصلين بالغفلة قال :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
،
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[ الماعون : 5 ، 4 ] ، ولم يقل فويل للمقيمين الصلاة انتهى . واعلم أن الخشوع في الصلاة على ثلاث مراتب : المرتبة الأولى : خشوع خوف وانكسار وإذلال ، وهو للعباد والزهاد . المرتبة الثانية : خشوع تعظيم وهيبة وإجلال ، وهو للمريدين السالكين . المرتبة الثالثة : خشوع فرح وسرور وإقبال ، وهو للواصلين من العارفين ، ويسمى هذا المقام قرة العين كما يأتي إن شاء اللّه . ثم اعلم أن الصلاة التي لا يصحبها خشوع ولا حضور هي باطلة عند الصوفية غير مقبولة عند العلماء ، وقالوا ليس للعبد من صلاته إلا ما حضر فيها قلبه ؛ فقد يكون له ربع صلاته أو نصفها بقدر ما حضر فيها ، ويعين على الخشوع : الزهد في الدنيا وهذا هو الدواء الكبير ، إذ محال أن تكون عندك بنت إبليس ولا يزورها أبوها ، فلا يتأتّى الخلوص من الخواطر ما دامت في القلب وقليلها هو كثيرها ، فمن بقيت فيه بقية منها فإنه تأتيه الخواطر على حسبها ، فمحال أن تكون شجرة الدنيا في قلبك وتسلم من الخواطر . ومثال ذلك كشجرة عندك في بستان يجتمع عليها الطيور ويهولونك بأصواتهم ، فكلما شوشتهم رجعوا فلا ينقطعون عنك أبدا حتى تقطع تلك الشجرة ، فإذا قطعتها استرحت من أصواتهم ، فكذلك