الهوى فذلك الشهد بالزبد ، ومن سار إلى اللّه بطبعه كان الوصول أقرب إليه من طبعه ، ومن سار إلى اللّه بمخالفة طبعه كان الوصول إليه بقدر بعده عن طبعه ، ومتى يصح بعده عن طبعه ؟ والمقصود إنما هو موافقة الحق لا مخالفة النفس ، وشواهد السنة لا تخفى فافهم .
ومن دواعي الملل وجود الشّره وهو الحرص ، وموجبه هو الإطلاق في العمل ، فلذلك قيدت الطاعة بأعيان الأوقات كما أبان ذلك بقوله :
[ وعلم ما فيك من وجود الشّره ، فحجرها عليك في بعض الأوقات ] .
الشره : خفة في النفس توجب المسارعة للعمل والإسراع فيه وينتج آفات ثلاثا : أولها : الترك عند الدوام لتروّي النفس وضيقها ، الثاني : الملل ، وهو التثاقل إن لم يكن ترك ، الثالث : الإخلال بالحقوق لوجود العجلة .
والحجر بالوقت فيه فوائد ثلاث : أولها : منع الشره ، إذ لو كانت مرسلة لوقعت النفس فيها على وجه الشره ، الثاني : نفي التسويف ، إذ لولا الوقت لكانت تعده من زمن إلى زمن فيؤدي إلى التفريط ، الثالث : التمكين من العمل والتمكن فيه ، إذ لولا الوقت لأهمل العمل ولم يحافظ عليه لغلبة الهوى ، ولم يحفظه استعمالا للحظوظ انتهى . ثم بين وجه التحجير وهو الإتقان والإقامة فقال :
118 - ليكون همّك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة .
قلت : السر في تحجير الصلاة في بعض الأوقات لتشتاق النفس إليها وترتاح بها ، فيحصل فيها الخشوع والحضور وقرة العين ، بخلاف ما إذا كانت دائمة فيها فلا تتعشق إليها بل ربما تمل فتوقعها على غير تمام ، والمقصود منك حركة قلبك لا حركة جسمك : « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم « 1 » » ، ليس الشأن حركة الأشباح إنما الشأن خضوع الأرواح ، فالسر في
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 1986 ) .