وأما العاقل وهو العارف فقد تحققت في قلبه عظمة ربه ، وانجمع إليه بكلية قلبه فأشرقت في قلبه شموس العرفان ، وطوى من نظره وجود الأكوان ، فليس له عن نفسه أخبار ، ولا مع غير اللّه قرار ، تصرفه باللّه ومن اللّه وإلى اللّه فقد فني عن نفسه وبقي بربه ، فلم ير لها تركا ولا فعلا ولا قوة ولا حولا ، فإذا أصبح نظر ما ذا يفعل اللّه به فيتلقى كل ما يرد عليه بالفرح والسرور والبهجة والحبور لما هجم عليه من حق اليقين والغنى برب العالمين . قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه : أصبحت وما لي سرور إلا مواقع القدر . وقال أبو عثمان رضي اللّه تعالى عنه : منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته ، ولا نقلني إلى غيره فسخطته انتهى . فإذا أراد الفقير أن يكون تصرفه باللّه فلينعزل عن حظوظه وهواه ، فإذا أراد أن يفعل أمرا فليتأنّ ويصبر ويستمع إلى الهاتف ، فإن اللّه سبحانه يسمعه ما يريد أن يتوجه إليه فعلا أو تركا ، وقد جربنا هذا في سفرنا وإقامتنا فكنا لا نتصرف إلا بإذن خاص والحمد للّه ، وصاحب الاعتناء كله هكذا مع التأني ، فإن التأني من اللّه ، والعجلة من الشيطان ، وكثيرا ما كان الشيخ المجذوب الولي العارف سيدي أحمد أبو سلهام ينشدني هذا البيت :
تأنّ ولا تعجل لأمر تريده * وكن راحما بالخلق تبلى براحم
فعليك أيها المريد بالاعتناء بهذا الأمر ، وافهم عن اللّه في أمورك كلها ، وأنشد على نفسك :
اتبع رياح القضا ودر حيث دارت * وسلّم لسلمى وسر حيث سارت
واستعن على هذا الأمر بأدعيته عليه السلام في هذا المقام كقوله : « اللهمّ إني أصبحت لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ، ولا أن أتّقي إلا ما وقيتني ، فوفّقني اللهم لما ترضاه مني من القول والفعل ، وفي عافية وستر ، إنّك على كل شيء قدير « 1 » » .
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .