تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١

115 - إنّما يستوحش العباد والزهاد من كلّ شيء لغيبتهم عن اللّه في كلّ شيء ، فلو شهدوه في كلّ شيء ما استوحشوا من شيء .

قلت : العباد هم الذين غلب عليهم الفعل ، فهم مستغرقون في العبادة الحسية ، يقومون الليل ويصومون النهار ، شغلهم حلاوة العبادة عن حلاوة شهود المعبود ، فحجبوا بعبادتهم عن معبودهم ، والزهاد هم الذين غلب عليهم الترك ، فهم يفرون من الدنيا وأهلها ، ذاقوا حلاوة الزهد فوقفوا معه وحجبوا عن اللّه ، فهم يستوحشون من الأشياء لغيبتهم عن اللّه فيها ، ولو عرفوا اللّه في كل شيء ما استوحشوا من شيء ولأنسوا بكل شيء ، وتأدبوا مع كل شيء ، والعارفون لنفوذ بصيرتهم شهدوا الخلق مظاهر من مظاهر الحق فحجبوا أولا بالحق عن الخلق ، وبالمعنى عن الحس ، وبالقدرة عن الحكمة ، ثم ردوا إلى شهود الحق في الخلق والقدرة في الحكمة ، فحين عرفوه في كل شيء أنسوا بكل شيء ، وتأدبوا مع كل شيء ، وعظموا كل شيء ، وفي هذا المقام قال المجذوب رضي اللّه تعالى عنه :
الخلق نوار وأنا رعيت فيهم * هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم
وقال سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه على قول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شأن الخلق : « أراهم كالهباء في الهواء ، إن فتشتهم لم تجدهم شيئا » قال : بل إن فتشتهم وجدتهم شيئا ، وذلك الشيء ليس كمثله شيء ، يعني وجدتهم مظاهر من مظاهر الحق أنوارا من أنوار الملكوت ، فائضة من بحر الجبروت ، كما قال صاحب العينية رضي اللّه تعالى عنه :
تجليت في الأشياء حين خلقتها * فها هي ميطت عنك فيها البراقع قطعت الورى من ذات نفسك قطعة * ولم يك موصول ولا فصل قاطع