أسرار الذات ، وتتعلق لها أنوار الصفات ، فتغيب بشهود الذات عن أثر الصفات ، ثم ترد إلى شهود الصفات بالذات ، والذات بالصفات لا يحجبها جمعها عن فرقها ، ولا فرقها عن جمعها ، تعطي كل ذي حق حقه ، وتوفي كل ذي قسط قسطه . قال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه في بعض رسائله : فإن قلتم أي وقت نكون كالجبال :
تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ] ، قلنا : إذا زهدتم في الدنيا بالكلية ، وقطعتم الإياس من الرجوع إليها بالكلية ، ثم اعتقدتم في شيوخكم أنهم كمّل ، وأنهم على قدم الأنبياء عليهم السلام من ورثة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فو اللّه العظيم لينزل عليكم المدد الليل والنهار والشهر والعام ، وفي كل وقت وساعة ولحظة ، حتى تمتلئ قلوبكم بمعرفة اللّه ، وتطمئن قلوبكم بذكر اللّه وتكونوا كالجبال الراسية ، هذا معنى كلامه باختصار رضي اللّه تعالى عنه ، وهو كما قال ، لأن الزاهد في الدنيا تفرّغ قلبه وتخلّى من الأكدار ، وتهيأ للأنوار ، فإذا نزل المدد وجد القلب متسعا مطهرا منظفا ، فملأه من أنواره ، وحلاه بحلية أسراره ، بخلاف ما إذا كان القلب معمورا بأغيار الدنيا لم يجد المدد موضعا ينزل فيه ، فيرجع من حيث جاء ، واعتقاد كمال الشيوخ هو عين الصدق ، وبقدر الصدق ينبع المدد ، ولا يمكن أن ينقطع الوهم أو يذهب الحس إلا بالصدق مع الزهد ، فبالزهد يتهيأ للمدد ، وبالصدق يفيض عليه المدد ، فكلما فاض ماء المدد غسل أوساخ الوهم ، فإذا لم يبق للوهم أثر حصل الغرق في البحر ، واللّه تعالى أعلم .
ثم فسر الأمداد وكيفية الاستعداد فقال :
113 - شروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار .
قلت : شروق أنوار المعارف في أفق سماء القلوب يكون على قدر صحوها من سحب الآثار ، وغيم الأغيار ، وغين الأنوار ، كما قال الشاعر :