تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
وقال شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه :
طلع النهار على قلبي حتى نظرت بعينيا * أنت دليلي يا ربّي أنت أولى منّي بيا
والحاصل أن العارفين باللّه غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق ، فهم مع الخلق بالأشباح ، ومع الحق بالأرواح ، ماتوا وبعثوا ، وقامت قيامتهم ، وتبدلت في حقهم الأرض غير الأرض والسماوات ، وبرزوا للّه الواحد القهار ، فهم يرون الأنوار والناس في ظلمة الأغيار . كشف لهم في هذه الدار عن أسرار مكنوناته مسدولة عليها قهارية أستاره ، وسيكشف لهم في تلك الدار عن أسرار ذاته من غير حجاب الحكمة التي هي أثر صفاته ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

116 - أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته ، وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته .

قلت : إنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه بواسطة مكوناته ؛ لأنك لا تقدر هنا أن تنظر إلى حقيقة ذاته المقدسة في عظمة الجبروت الأصلي بلا واسطة ، لضعف نشأتك وإن كان ذلك جائزا عقلا ، ولذلك طلبه سيدنا موسى عليه السلام ، لكن حكمة الحكيم اقتضت تغطية أسرار الربوبية بأنوار سبحات الألوهية ، إذ لا بد للحسناء من نقاب ، وللشمس من سحاب ، ولو ظهر من غير رداء الكبرياء لوقع الإدراك ولم يبق حينئذ ترق ، فالترقي في أسرار الذات إنما هو بالنظر إلى أنوار الصفات وهو لا ينقطع أبدا في الدراين ، فلا تنال الذات من غير مظهر أصلا ، فالمعنى لا يقبض إلا بالحس . هذا مذهب أهل التحقيق من أهل المعاني . فإن قلت : كيف فرق الشيخ بين الرؤيتين باعتبار الدارين والتحقيق أنها رؤية واحدة لأن المظهر متحد ؟ فالجواب أنه لما كان مظهر هذه الدار الحس فيه غالب على المعنى ، والحكمة ظاهرة والقدرة باطنة ، ومظهر الدار الآخرة بالعكس ، المعنى فيه غالب على الحس ، والقدرة ظاهرة ، انكشف ثمّ عن حقيقة الذات أكثر مما انكشف هنا ، فبهذا المعنى وقع التفريق بين الرؤيتين ، ومثله قول