وكقوله أيضا عليه السلام : « اللهمّ إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ، ولا أملك نفع ما أرجو ، وأصبح الأمر بيد غيري ، وأصبحت مرتهنا بعملي ، فلا فقير أفقر منّي ، اللهم لا تشمّت بي عدوي ، ولا تسيء بي صديقي ، ولا تجعل مصيبتي في ديني ، ولا تجعل الدنيا أكبر همّي ، ولا مبلغ علمي ، ولا تسلّط عليّ من لا يرحمني « 1 » » ، إلى غير ذلك من الأدعية التي تكسب الرضا والتسليم ، والمقصود من دعائه صلى اللّه عليه وآله وسلم فهم معانيها لا مجرد ألفاظها ، فالمراد المعاني لا الأواني ، واللّه تعالى أعلم . ويجمع هذه المعاني وصية شيخ طريقتنا القطب ابن مشيش للرجل الذي قال له وظف على وظائف وأورادا ، فغضب وقال له :
أرسول أنا فأوجب الواجبات ؟ الفرائض معلومة ، والمعاصي مشهورة ، فكن للفرائض حافظا ، وللمعاصي رافضا ، واحفظ قلبك من إرادة الدنيا وحب النساء ، ومن الجاه وإيثار الشهوات ، واقنع في ذلك كله بما قسم اللّه لك إذا خرج لك مخرج الرضا وهو جماله تعالى فكن للّه فيه شاكرا ، وإذا خرج لك مخرج السخط وهو جلاله فكن عليه صابرا ، وحب اللّه قطب تدور عليه الخيرات ، وأصل جامع لجميع الكرامات . وحصن ذلك كله أربعة : صدق الورع ، وحسن النية ، وإخلاص العمل ، ومحبة العلم ، ولا يتم ذلك إلا بصحبة أخ صالح أو شيخ ناصح انتهى . وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه :
احرص أن تصبح وتمسي مفوضا مستسلما لعله ينظر إليك فيرحمك انتهى . وقال بعضهم : من اهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه ، ومن اهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى اللّه : أي من رأى الحق غاب عن نفسه ، ومن رأى نفسه حجب عن اللّه ، ثم إن العاقل الذي ينظر ما يفعل اللّه هو العارف كما تقدم ، لأنه هو الذي يتحقق فيه ذلك ، ومن علامته أنه لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء وفهمه عن اللّه في كل شيء ، بخلاف غيره من العباد والزهاد ، وهو الذي أشار إليه بقوله :
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي عاصم في الزهد ( 1 / 95 ) .