وأولى ما يعتني به العبد أيضا ما هو طالبه منه الحق تعالى وهو الورد ، دون ما يطلبه هو منه وهو الوارد ، فالورد من وظائف العبودية وهو الذي طلبه منا الحق تعالى ، والوارد من وظائف الحرية ، ولذلك تطلبه النفس وتتعشق إليه ، وأين ما هو طالبه منا مما هو مطلبنا منه ؟ بينهما فرق كبير . قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : بينهما في القدر ما بينهما في الوصف ، قضاء اللّه أحق ، وشرط اللّه أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق انتهى . فتحصل أن الاعتناء بالورد أفضل وأكمل من الاعتناء بالوارد ، لأن الورد من وظائف العبودية وهي لا تنقطع ما دام العبد في هذه الدار ، وكما أن حقوق الربوبية لا تنقطع ، كذلك حقوق العبودية لا تنقطع . قال النقشبندي رحمه اللّه : ولهذا لم يترك العبادة سيد هذا المقام صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى تورمت قدماه ، فقيل له كيف تفعل هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : « أفلا أكون عبدا شكورا « 1 » » ، فأفاد صلى اللّه عليه وآله وسلم أن شكر النعمة تمام الخدمة ، وهو موجب المزيد ، قال تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 8 ] ، وهذا سيد الطائفة الجنيد رضي اللّه تعالى عنه ، لم يترك أوراده في حال نزاعه ، فقيل له في ذلك ، فقال : ومن أولى مني بذلك ، وهذه صحائفي تطوى ؟ ! فلم يترك الخدمة رضي اللّه تعالى عنه في مثل هذه الحالة فكيف بسواها ، قيل له : إن جماعة يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم التكليف ، قال : وصلوا ولكن إلى سقر ، وقال في كلام آخر : هذا كلام من يقول بالإباحة ، والسرقة والزنا عندنا أهون حالا ممن يقول بهذه المقالة ، ولقد صدق رضي اللّه تعالى عنه في قوله هذا ، فإن الزاني والسارق عاص بزناه وسرقته ، ولا يصل إلى حد الكفر ، وأما القائل بسقوط الفرائض المعتقد لذلك فقد انسلّ من الدين كانسلال الشعرة من العجين ، فعض على هذا الأصل بالنواجذ يا أخي ، ولا تسمع كلام من أخذ الحقائق من الكتب وصار يتكلم
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 380 ) . ومسلم ( 4 / 2171 ، 2172 ) ، والترمذي ( 2 / 268 ) .