تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
مقامه ، ويقرر كل شيء في محله ، فلا يستحقر الورد ويطلب الوارد إلا جهول أو معاند ، وكيف يستحقر الورد وبه يكون الورود على الملك المعبود ؟ الورد يوجد ثوابه وثمرته في الدار الآخرة ، والوارد الذي تطلبه ينطوي بانطواء هذه الدار ، قال تعالى :
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الزخرف : 72 ] ، وجاء في الأثر : « إنّ اللّه يقول ادخلوا الجنة برحمتي ، وتقاسموها بأعمالكم » . وأيضا المراد من الواردات ثمراتها ونتائجها ، وهو ما يعقبها من اليقين والطمأنينة والرضا والتسليم ، وغير ذلك من المحاسن ، فإذا أعطتك نتائجها وجنيت ثمراتها فلك في اللّه غنى عنها ، فلا يستحقر الورد ويطلب الوارد إلا من كان عبد الوارد ، وأما من كان عبد اللّه فلا يلتفت إلى ما سواه ، بل يلزم ما هو مكلف به من وظائف العبودية ، قياما بحق عظمة الربوبية ، فهو الذي يدوم ، وبه يتوصل إلى رضا الحي القيوم ، وأولى ما يعتني به الإنسان ما ينقطع وجوده بانقطاع موته وهو ورده ، فيغتنم وجوده ما دام في هذه الدار ، فليس في تلك الدار عمل ، وإنما هي دار جزاء وحصول أمل ، فالدنيا دار عمل لا جزاء فيها ، والآخرة دار جزاء لا عمل فيه ، فليغتنم الإنسان عمره قبل الفوات ، فما من زمن يخلو عنه إلا وهو فائت منه . وقد جاء في الحديث : « لا تأتي على العبد ساعة لا يذكر اللّه فيها إلا كانت عليه حسرة يوم القيامة « 1 » » انتهى ، والذكر متنوع كل بحسب حاله . وقال الحسن رضي اللّه تعالى عنه : أدركت أقواما كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم ، وفي معنى ذلك قيل :
السّباق السّباق قولا وفعلا * حذّر النفس حسرة المسبوق
وفي بعض الأحاديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه شرّا من أمسه فهو محروم ، ومن لم يكن في الزيادة فهو في النّقصان ، ومن كان في النّقصان فالموت خير له « 2 » » .
هامش
( 1 ) لم أقف عليه . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 3 / 611 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 35 ) .