الباب الثاني عشر
قال رضى اللّه تعالى عنه :
112 - لا يستحقر الورد إلا جهول ، الوارد يوجد في الدار الآخرة ، والورد ينطوي بانطواء هذه الدار ، وأولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده ، الورد هو طالبه منك ، والوارد أنت تطلبه منه ، وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه ؟ .
قلت : الورد في اللغة هو الشرب ، قال تعالى :
بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
، [ هود : 98 ] وفي الاصطلاح : ما يرتبه العبد على نفسه أو الشيخ على تلميذه من الأذكار والعبادات . والوارد في اللغة هو الطارق والقادم ، يقال ورد علينا فلان : أي قدم ، وفي الاصطلاح : ما يتحفه الحق تعالى قلوب أوليائه من النفحات الإلهية فيكسبه قوة محركة ، وربما يدهشه أو يغيبه عن حسه ، ولا يكون إلا بغتة ولا يدوم على صاحبه ، ثم إن الورد ينقسم على ثلاثة أقسام : ورد العباد والزهاد من المجتهدين ، وورد أهل السلوك من السائرين ، وورد أهل الوصول من العارفين . فأما ورد المجتهدين فهو استغراق الأوقات في أنواع العبادات ، وعبادتهم بين ذكر ودعاء وصلاة وصيام ، وقد ذكر في الإحياء والقوت أوراد النهار وأوراد الليل ، وعيّن لكل وقت وردا معلوما . وأما ورد السائرين فهو الخروج من الشواغل والشواغب ، وترك العلائق والعوائق ، وتطهير القلوب من المساوئ والعيوب ، وتحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل ، وعبادتهم ذكر واحد ، وهو ما يعينه له الشيخ لا يزيد عليه مع جمع القلب وحضوره مع الرب .
وأما ورد الواصلين فهو إسقاط الهوى ومحبة المولى ، وعبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة ، فكل من أقامه مولاه في ورد فليتزمه ، ولا يتعدى طوره ، ولا يستحقر غيره ، إذ العارف لا يستحقر شيئا ، بل يصير مع كل واحد في