تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠

110 - متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره ، وفي الباطن مستسلما لقهره فقد أعظم المنّة عليك .

قلت : إنما كان من أعظم المنة ، لأنه شاهد المعرفة التي هي منتهى الهمم ، وأقصى غاية النعم . فامتثال الأمر في الظاهر يدل على كمال الشريعة وتحقيق العبودية ، والاستسلام للقهر في الباطن يدل على كمال الطريقة ونهاية الحقيقة ، والجمع بينهما هو غاية الكمال ؛ إذ منتهي الكمالات الشرائع ، فمتى جعلك أيها الإنسان في الظاهر ممتثلا لأمره ومجتنبا لنهيه ، وفي الباطن مستسلما لقهره ، فقد أعظم المنة عليك حيث أراح ظاهرك من عنت المخالفة وأراح باطنك من تعب المنازعة ، أو تقول : حيث زين ظاهرك بالطاعة ، وزين باطنك بالمعرفة ، فالواجب عليك أن تشكر هذه النعمة ، وتعرف قدرها حتى تعظم محبة اللّه في قلبك ، وذلك أقصى مرادك وقصدك :
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ الحديد : 21 ] ، ومتى أثبت لك هذا الأمر فقد خلصك من نفسك وحررك من رق حظك ، فلا تبال معها ما فاتك من تخصيص الكرامات الحسية ، لأنها أمور وهمية ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

111 - ليس كلّ من ثبت تخصيصه كمل تخليصه .

قلت : المراد هنا بالتخصيص تخصيصه بالكرامات الحسية ، والمراد بالتخليص تخليصه من رق الحظوظ ومن بقية السوى ، فليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات الحسية كمل تخليصه من حظوظه النفسية ، ليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات كمل تخليصه من العوائد والشهوات ، بل قد يعطى الكرامة الحسية بعض من لم يتخلص من حظوظه النفسية . وحكمة ظهورها عليه ثلاثة أمور : أحدها : إنهاضه في العمل لحصول فترة أو وقعة . الثاني : اختبار له ، هل يقف معها فيحجب ، أو يأنف عنها فيقرب . الثالث : زيادة في يقينه أو يقين الغير