أن ستر ذلك السر بظهور نقائصه ، صونا لذلك السر أن يظهر لغير أهله ، ومن أفشاه لغير أهله قتل كما فعل بالحلاج ، وكما ستر سر الخصوصية بظهور أضدادها ظهر بعظمة الربوبية في مظاهر العبودية . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية انتهى . إذ الربوبية تقتضي مربوبا موصوفا بضد ما اتصف به ربه من الكمالات الإلهية والنعوت القدسية ، فما ظهرت أوصاف الربوبية التي هي الغنى والعز والقدرة وغير ذلك من الكمالات إلا في أضدادها من الفقر والذل والضعف وغير ذلك ، فالفقر الحقيقي شامل لسائر الموجودات ، والغنى المطلق واجب لمن تجلى في الأرض والسماوات :
أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
[ فاطر : 15 ] ، فإذا تقرر هذا علمت أن الإضافة في سر الخصوصية ليست هي للبيان ، بل هي للتخصيص ، فسر الخصوصية غيرها ، إذ الخصوصية هي النور الذي يقذفه اللّه سبحانه في قلوب أوليائه ، وسرها هو الكمالات التي تلازم ذلك النور كما تقدم . واعلم أن سر الخصوصية الذي جعله اللّه في بواطن أوليائه وستره بظهور وصف بشريتهم قد يظهره عليهم على وجه خرق العادة ، فقد يظهر على وليه من قدرته وعلمه وسائر كمالاته ما تحار فيه العقول وتذهل فيه الأذهان ، لكن لا يدوم ذلك لهم ، بل يكون على سبيل الكرامات وخرق العادات ، يشرق عليهم شموس أوصافه فيتصفون بصفاته ، ثم يقبض ذلك عنهم فيردهم إلى حدودهم ، فنور الخصوصية وهي المعرفة ثابت لا يزول ، ساكن لا يحول ، وسرها وهو كمالاته تعالى تارة يشرق على أفق بشريتهم فيستنير بأوصاف الربوبية ، وتارة ينقبض عنهم فيردون إلى حدودهم وشهود عبوديتهم ، فالمعرفة ثابتة والواردات مختلفة ، واللّه تعالى أعلم . واعلم أيضا أن أوصاف البشرية التي ستر اللّه بها سر الخصوصية إنما هي الأوصاف الذاتية اللازمة للبشر ، كالأكل والشرب والنوم والنكاح ، لا الأوصاف المذمومة المناقضة