للعبودية ، كالكبر والعجب والحسد والغضب وغير ذلك ، فإن تلك أوصاف ذهبت بظهور نور العناية وسابق الهداية ، إذ لا تثبت الخصوصية إلا بعد محوها ، بخلاف الأوصاف الذاتية فإنها تجامع الخصوصية كما سيأتي إن شاء اللّه ، بل هي حجابها وصوانها ، وبوجودها وقع الستر والخفاء لأولياء اللّه تعالى غيرة عليهم أن يعرفهم من لا يعرف قدرهم . قال في لطائف المنن : فأولياء اللّه أهل كهف الإيواء ، فقليل من يعرفهم . وسمعت الشيخ أبا العباس رضي اللّه تعالى عنه يقول :
معرفة الولي أصعب من معرفة اللّه ، فإن اللّه معروف بكماله وجماله ، ومتى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل ويشرب كما تشرب وإذا أراد اللّه أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته ، وأشهدك وجود خصوصيته انتهى .
تنبيه : هذا النور الذي أشرقه اللّه في قلوب أوليائه كان كامنا في الروح في أصل بروزها ؛ فأصلها نورانية عالمة بأسرار الغيب دراكة للأشياء على حقيقتها ، وإنما حجبها عن ذلك سجنها في هذا البدن الطيني واشتغالها بحظوظه وشهواته ، فمن أدبها وريضها على يد شيخ كامل رجعت إلى أصلها ، قال في المباحث :
ولم تزل كلّ نفوس الأحيا * علّامة درّاكة للأشيا
وإنّما تعوقها الأبدان * والأنفس النّزّغ والشيطان
فكلّ من أذاقهم جهاده * أظهر للقاعد خرق العادة
فإذا كمل تطهير الروح من الأغيار وأشرقت عليها شموس الأنوار كوشفت بأسرار الذات وأنوار الصفات ، فغرقت في بحر التوحيد الذي تكل عنه العبارة ، ولا تلحقه الإشارة ، وهو التوحيد الخاص الذي أشار إليه الهروي بقوله :
ما وحّد الواحد من واحد * إذ كلّ من وحّده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد
توحيده إيّاه توحيده * ونعت من ينعته لاحد
ومضمنه أن الحق سبحانه تولى توحيد نفسه بنفسه ، فكل من ادعى أنه وحده