تعلم ما نريد ، فقلت : إني مسلط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي أتصبرون ؟ قالوا : إن كنت أنت المبتلي فافعل ما شئت ، هؤلاء عبادي حقّا انتهى .
وقال في التنوير : وإنما يعينهم على حمل الأحكام فتح باب الأفهام .
وإن شئت قلت : وإنما يقويهم على حمل البلايا واردات العطايا .
وإن شئت قلت : وإنما يقويهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره .
وإن شئت قلت : وإنما يصبرهم على وجود حكمه علمهم بوجود علمه .
وإن شئت قلت : إنما يصبرهم على أفعاله ظهوره عليهم بوجود إجماله .
وإن شئت قلت : إنما صبرهم على القضاء علمهم بأن الصبر يورث الرضا .
وإن شئت قلت : إنما صبرهم على الأقدار كشف الحجب والأستار .
وإن شئت قلت : إنما صبرهم على أقداره علمهم بما أودع فيها من لطفه وإبراره انتهى . وإلى هذا الأخير أشار بقوله :
106 - من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره .
قلت : من أعظم إحسان اللّه وبره كون لطفه لا ينفك عن قدره ، فما نزل القدر إلا سبقه اللطف وصحبه ، وبهذا حكم النقل والعقل ، أما العقل فما من مصيبة تنزل بالعبد إلا وفي قدرة اللّه ما هو أعظم منها وقد وجد ذلك ، فإذا نزلت بك أيها الإنسان مصيبة فاذكر من هو أعظم منك بلاء ، فكم من إنسان يتقطع بالأوجاع ! وكم من إنسان مبتلى بالجذام والبرص والجنون والعمى ! وكم من إنسان مطروح في الفنادق لا يجد من يبريه إلا من ابتلاه ! وكم من إنسان أعمى أو مقعد أو محموم إلى ما لا يتناهى ! نسأل اللّه عافيته الدائمة في الدارين .
وأما من جهة النقل فقد ورد في ثواب الأمراض والأوجاع أحاديث كثيرة وآيات قرآنية في مدح الصابرين ، منها قوله تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ