وإبداع حكمته كتزيين السماء بالكواكب ، والقمر والشمس وما فيها من إبداع الصنع ، وتمام الإتقان ، وكتزيين الأرض بالأزهار والثمار والنبات ، وسائر الفواكه ، وكتزيين الإنسان بالبصر والسمع والكلام ، وسائر ما فيه من عجائب الصنعة ، قال تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 6 ] ، وقال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها
[ الكهف : 6 ] ، فهذه أنوار الظواهر ، وأنوار الأوصاف هي العلوم والمعارف والأسرار ، والمراد بالأوصاف أوصاف الربوبية كالعظمة والعزة والجلال والجمال والكبرياء والكمال ، وغير ذلك من أوصاف الذات العلية ، والذات لا تفارق الصفات ، فإذا أشرقت السرائر بأنوار معرفة الصفات فقد أشرقت بأنوار معرفة الذات ، للتلازم الذي بين الصفات والذات ، ثم الناس في شهود هذه الأنوار الباطنة التي هي أنوار الأوصاف على ثلاثة أقسام : قسم يشهدونها على البعد ، وهم أهل مقام الإسلام ، وقسم يشهدونها على القرب ، وهم أهل المراقبة من مقام الإيمان ، وقسم يشهدونها على الاتصال ، وهم أهل المعرفة من مقام الإحسان ، فأهل مقام الإسلام أنوارهم ضعيفة كأنوار النجوم ، وأهل مقام الإيمان أنوارهم متوسطة كنور القمر ، وأهل مقام الإحسان أنوارهم ساطعة كأنوار الشمس .
فتحصل أن أنوار الباطن ثلاثة : نجوم الإسلام ، وقمر التوحيد ، وشمس المعرفة ، وإلى هذا المعنى أشار ابن الفارض بقوله :
لها البدر كأس وهي شمس يديرها * هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
الضمير لخمرة المحبة ، وهي أيضا شمس المعرفة ، فإذا مزجت لتشرب ظهر نجم الإسلام ، وإذا وضعت في الكأس طلع قمر التوحيد وهو الإيمان ، وإذا شربت أشرقت شمس المعرفة ، والذي يديرها على الشاربين هلال الهداية ، هذا معنى كلامه في الجملة ، وتشبيه الأنوار المعنوية بالأنوار الحسية إنما هو تقريب ، وإلا فأنوار القلوب كلها عظيمة حتى قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : لو