سبقت به المشيئة ونفذ به القضاء والقدر ، فما بقي الدعاء إلا إظهارا للفاقة ، وإبقاء لرسم العبودية ، لا طلبا لحصول ما لم يكن جل حكم الأزل أن يضاف للأسباب والعلل ، فمتى أطلق لسانك أيها المريد بالطلب لشيء تجلى في قلبك أو احتجت إليه فاعلم أن الحق تعالى أراد أن يعطيك ما طلبت منه ، فلا تحرص ولا تستعجل ف
كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
[ الرعد : 8 ] ، فإن أطلق لسانك في الدعاء من غير سبب فخير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك ، كما تقدم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة « 1 » » ، وقال أيضا عليه السلام : « من أذن له في الدعاء منكم فقد فتحت له أبواب الرحمة ، وما سئل اللّه شيئا أحبّ إليه من العفو والعافية « 2 » » ، وقال الكتاني رضي اللّه تعالى عنه : لم يفتح اللّه لسان المؤمن بالمعذرة إلا وقد فتح له بالمغفرة انتهى . وقال الخفاف رحمه اللّه : وكيف لا يجيبه وهو يحب صوته ، ولولا ذاك ما منح الدعاء ، وفي ذلك قيل :
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه * من فيض جودك ما علّمتني الطّلبا
ثم هذا كله قبل فتح باب المعرفة ، وإذا فتح لك الباب فلا تحتاج إلى طلب لغناك بمسبب الأسباب ، فيكون دعاؤك إنما هو إظهار للفاقة والاضطرار اللازمتين لك مع كل نفس ، وفي كل وقت وحال ، كما أشار إليه بقوله :
103 - العارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير اللّه قراره .
قلت : أما وجه كونه لا يزول اضطراره فلتحقق قيومية الحق به ، إذ الحس لا يقوم إلا بالمعنى ، فحس العبودية لا يقوم إلا بمعنى الربوبية ، فبقدر تحقق العبد بقيومية الربوبية يشتد اضطراره في ظاهر العبودية ، وأيضا العارف لا يزال في الترقي ، فهو متعطش للزيادة على الدوام ، كما قال النقشبندي رحمه اللّه :
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الصغير ( 2 / 198 ) .
( 2 ) رواه النسائي في الكبرى ( 6 / 221 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 1 / 76 ) .