تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وذو الصبابة لو يسقى على عدد الأن * فاس والكون كأسا ليس يرويه وقال آخر : سقاني الحبّ كأسا بعد كأس * فما نفد الشراب ولا رويت
وقال بعضهم : لو شربت في كل لحظة ألف بحر لا ترى ذلك إلا قليلا وتشهد شفتيك يابسة ، وكل ذلك كناية عن عدم النهاية وأن المقصود غير منضبط ، فالعارف لا يزال مفتقرا للزيادة على الدوام ، فلا يزول اضطراره على الدوام ، وقد قال اللّه تعالى لسيد العارفين :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] ، فالاضطرار إلى زيادة العلم لا ينقطع ولو جمع علوم أهل السماوات والأرض ، قال تعالى مخاطبا للكل :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 85 ] ، وأما وجه كونه لا يكون مع غير اللّه قراره ، فلأن قلب العارف رحل إلى اللّه من الكون بأسره ، فلم تبق له حاجة إلى غيره ، فقراره إنما هو شهود الذات الأقدس ، فإن نزل إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فبالإذن والتمكن والرسوخ في اليقين ؛ فالعارف ليس له عن نفسه أخبار ، ولا مع غير اللّه قرار ، وأيضا سابق العناية لا يتركه يركن إلى غير مولاه ، فمهما ركن قلبه إلى شيء شوشته عليه العناية واكتنفته الرعاية ، فهو محفوظ من الأغيار ، محفوف من كل جهة بمدد الأنوار ، إذا كان اللّه حرس السماء من استراق السمع ، فكيف لا يحرس قلوب أوليائه من الأغيار ؟ وما تولاهم بمحبته حتى حفظهم من شهود غيره ، فكيف بالركون ؟ فكيف بالسكون ؟ هيهات هيهات ، هذا لا يكون ، من كان ظاهره محفوفا بالأنوار وباطنه محشوّا بالأسرار فكيف يركن إلى شهود الأغيار ؟ كما أبان ذلك بقوله :

104 - أنار الظواهر بأنوار آثاره ، وأنار السرائر بأنوار أوصافه .

قلت : أنوار الظواهر هي ما ظهر على تجليات الأكوان من تأثير قدرته
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 248 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى