تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
وأشعلتها في الحطب صعدت بها إلى ظهور الجبال ، فبقدر ما يصيبها الريح يعظم اشتعالها ، كذلك الفقير ما دام في البداية لا يليق به إلا الوحشة من الخلق والفرار منهم ، فإذا تمكن في الشهود فلا يليق به حينئذ إلا الخلطة معهم ، لأنهم لا يضرونه ، فمتى أوحشك أيها الفقير من خلقه وعزلك عنهم في قلبك فاعلم أنه تعالى أراد أن يؤنسك به ، ويغنيك بمعرفته ، فقد كان عليه السلام حين قرب أو ان النبوة والرسالة حبب إليه الخلوة ، فكان يخلو بغار حراء ، وحكمة ذلك تصفية البواطن من الشواغل والشواغب لتتهيأ لقبول ما تتحمله من الأسرار والمواهب ، فإذا تطهر من الأكدار ملئ بالأنوار ، فأشرقت فيه شموس العرفان ، وتمكن من حضرة الشهود والعيان ، فهذه سنة اللّه في أوليائه وأصفيائه يفرون أولا من الناس حتى يحصل لهم منهم الإياس ، ثم يردهم الحق إليهم رغما على أنفهم لمقام الدلالة والإرشاد ، فينتفع بهم العباد ، وتحيا بوجودهم البلاد ، وفي مثلهم قال الشاعر :
تحيا بكم كلّ أرض تنزلون بها * كأنّكم في بقاع الأرض أمطار وتشتهي العين فيكم منظرا حسنا * كأنّكم في عيون النّاس أزهار ونوركم يهتدي الساري برؤيته * كأنّكم في ظلام اللّيل أقمار لا أوحش اللّه ربعا من زيارتكم * يا من لهم في الحشا والقلب تذكار
نفعنا اللّه بهم وحققنا بمعرفتهم آمين . ثم إذا فتح لك باب الأنس وتشوقت إلى حضرة القدس ثم أطلق لسانك بطلبها فاعلم أنه يريد أن يفتح لك بابها ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

102 - متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنّه يريد أن يعطيك .

قلت : لأن الحق تعالى جعل الطلب سببا من الأسباب فإذا أراد أن ينجز للعبد ما سبق له فتح له فيه باب الطلب ، فإذا حصل منه الطلب حصل ذلك الذي قسم له في الأزل إظهارا لحكمته وإخفاء لقدرته ، وتغطية لسره ، فالدعاء من جملة الأسباب العادية كالحرث والدواء والزوج في الولد وغير ذلك ، وكل ذلك