تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
أوقاتك أيضا وقت تشهد فيه وجود ذلتك كما تقدم ؛ لأنه سبب عزك ونصرك ؛ إذ الأشياء كامنة في أضدادها العز في الذل ، والغنى في الفقر ، والقوة في الضعف ، والعلم في الجهل أي في إظهار الجهل إلى غير ذلك ، قال تعالى :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
[ القصص : 5 ] ، وقال تعالى في حق الصحابة رضي اللّه عنهم حين كانوا في حالة الاستضعاف والإذاية تسلية لهم :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ النور : 55 ] ، ومما جرت به العادة الإلهية أن الفرج علي قدر الضيق ، فبقدر الفقر يكون الغنى ، وبقدر الذل يكون العز ، وبقدر العسر يكون اليسر ، والحاصل بقدر الجلال يكون الجمال عاجلا وآجلا ، قال تعالى :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
[ الشرح : 6 ، 5 ] ، ولن يغلب عسر يسرين كما في الحديث حيث قال عليه السلام لابن عباس رضي اللّه تعالى عنه : « واعلم أنّ النصر مع الصبر ، وأنّ الفرج مع الكرب ، وأنّ مع العسر يسرا « 1 » » انتهى . ثم إذا صح فقرك إليه وتحققت ذلتك بين يديه أتحفك بأنسه ، وزج بك في حضرة قدسه ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

101 - متى أوحشك من خلقه فاعلم أنّه يريد أن يفتح لك باب الأنس به .

قلت : هذه سنة اللّه تعالى في خلقه ، إذ أراد أن يؤنس عبده بذكره ويتحفه بمعرفته أوحشه من خلقه ، وشغله بخدمته ، وألهمه ذكره حتى إذا امتلأ قلبه بالأنوار وتمكن من حلاوة الشهود والاستبصار رده إليهم رحمة لهم ، لأنه حينئذ لقوته يأخذ منهم ، ولا يأخذون منه ، ومثاله في الحس كفتيلة أشعلتها ، فما دامت ضعيفة لا بد أن تحفظها من الريح ، وتقصد بها المواضع الخفية ، فإذا اشتد نورها
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 11 / 123 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 1 / 314 ) ، والحاكم في المستدرك ( 3 / 624 ) ، والبيهقي في الشعب ( 2 / 28 ) .
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 245 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى