أن يكون نبيّا عبدا ، فدلّ على أن أشرف حال الإنسان هو العبودية ، فبقدر ما يتحقق بها في الظاهر يعظم قدره في الباطن ، ومهما خرج منها في الظاهر بإظهار الحرية أدبته القدرة وردته القهرية حتى يرجع إلى أصله ، ويعرف ماله وعليه .
الوجه الآخر : ما في الفاقة من مزيد المدد ، وطلب الاستمداد :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
[ التوبة : 60 ] ، إن أردت بسط المواهب عليك صحح الفقر والفاقة لديك ، كما يأتي إن شاء اللّه ، وقد جعل اللّه النصر والفتح مقرونين بالفاقة والذلة وتحقيق الضعف والقلة ، قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
[ آل عمران : 123 ] ، وقال تعالى :
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ
[ الأعراف : 86 ] ، وجعل الخذلان وعدم النصر والمعونة في إظهار الحرية والقوة ، قال تعالى :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
[ التوبة : 25 ] ، وذلك لما وقع من بعض الصحابة الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام ، فأدبهم اللّه بإظهار الحرية ، لكن عمت الفتنة ، قال تعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
[ الأنفال : 25 ] ، وهذا وجه ذكر الآية قبل ذكر القضية ، واللّه تعالى أعلم . فإذا خير أوقاتك أيها المريد وقت تشهد فيه وجود فاقتك أي ظهورها ، وإلا فهي كامنة فيك كما تقدم ، وتسمى عند المتأخرين الحيزة ، وهي الشدة ، فهي خير لك من ألف شهر إن عرفت فيها ربك ، والمعرفة فيها أن تسكن عن التحرك والاضطراب ، وتقطع النظر عن التعلق بالأسباب ، وترجع فيها إلى مسبب الأسباب ، وتعلق همتك برب الأرباب ، وتكتفي بعلم اللّه الكريم الوهاب . ولقد سمعت شيخنا اليزيدي رضي اللّه تعالى عنه يقول : العجب من الإنسان يرى الخير أو الفتح واصلا إليه وقادما عليه ، ثم يقوم يبادر بسد الباب في وجهه ، وهو أن يرى الفاقة قادمة عليه فيبادر إلى الأسباب التي تقطعها عنه قبل وصولها ، فقد كان الربح وأصلا إليه فقام فرده ، أو ما هذا معناه ، وخير