وورود الأسباب المحركة لظهور تلك الفاقة وهي الشدة والحيرة وكل ما يلجئك إلى مولاك مذكرة لك ما خفي عنك منها ، يعني أن فاقتك لا تفارقك ؛ إذ كل لحظة تفتقر إلى من يمدك بالوجود في الساعة الثانية ، إلا أنها خفية لا تذكرها حتى يتحرك عليك أسباب ظهورها ، كالفتن والمرض وغيرهما ، والفاقة الأصلية الذاتية لا ترفعها العوارض ، وهي الصحة والعافية ، فما دام العبد في العافية ففاقته خفية لا يتفطن لها إلا العارفون ؛ لأنه لا يزول اضطرارهم ، فإذا قام عليه جلال أو محرك ظهر افتقاره ، وتحقق اضطراره ، مع أنه دائم في الفاقة حسه ومعناه ، واللّه تعالى أعلم . ثم إن رجوع الشيء إلى أصله مرغب فيه ، وخروجه عن أصله لا خير فيه ، وأصلك أيها الإنسان هو الفاقة والاضطرار والذلة والانكسار ؛ فكل ما يردك إلى أصلك فهو لك في غاية الحسن والاختيار ، كما أبان ذلك بقوله :
100 - خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك ، وترد فيه إلى وجود ذلّتك .
قلت : إنما كان شهود الفاقة هو خير أوقاتك لوجهين :
أحدهما : ما في ذلك من تحقيق العبودية ، وتعظيم شأن الربوبية ، وفي ذلك شرف العبد وكماله ؛ إذ بقدر تحقيق العبودية في الظاهر يعظم شهود الربوبية في الباطن ، أو تقول : بقدر العبودية في الظاهر تكون الحرية في الباطن ، أو تقول :
بقدر الذل في الظاهر يكون العز في الباطن ، أو تقول : بقدر وضع الظاهر يكون رفع الباطن من تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره ، وانظر أشرف خلق اللّه وهم الأنبياء بماذا خاطبهم اللّه تعالى ؟ فما خاطبهم إلا بالعبودية ، قال اللّه تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] ،
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
[ ص : 45 ] ،
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ
[ ص : 17 ،
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ
[ ص : 41 ] ، ، وقد أختارها نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم حين خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا فاختار