ولست بجبريّ ولكن مشاهد * فعال مريد ماله من يدافع
فآونة يقضي عليّ بطاعة * وحينا بما عنه نهتنا الشرائع
لذاك تراني كنت أترك أمره * وآتي الذي أنهاه والجفن دامع
ولي نكتة غرّاء سوف أقولها * وحقّ لها أن ترعويها المسامع
هي الفرق ما بين الوليّ وفاسق * تنبّه لها فالأمر فيه فظائع
وما هو إلا أنّه قبل وقعه * يخبّر قلبي بالذي هو واقع
فأجني الذي يقضيه فيّ مرادها * وعيني له قبل الفعال تطالع
فكنت أرى منها الإرادة قبل ما * أرى الفعل منّي والأسير مطاوع
فآتي الذي تهواه نفسي ومهجتي * لذلك في نار حوتها الأضالع
إذا كنت في حكم الشريعة عاصيا * فإنّي في علم الحقيقة طائع
فأشار إلى الفرق بين معصية الولي ومعصية الفاسق ، وذلك من ثلاثة أوجه : الولي لا يقصدها ، ولا يفرح بها ، ولا يصر عليها ، والفاسق بالعكس في الجميع . وقيل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه : أيزني العارف ؟ فقال :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
[ الأحزاب : 38 ] ، لكن معصية الولي حدها الظاهر ، ولذلك قال ابن عطاء اللّه : ليت شعري لو قيل له : أتتعلق همة العارف بغير اللّه لقال لا انتهى .
ولما كانت النعم تقتضي من العبد شكرها وشكرها هو العمل بطاعة اللّه فيها قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : الشكر ألا يعصي اللّه بنعمه ، بيّن الشيخ أصول النعم وفروعها ، فقال :
97 - نعمتان ما خرج موجود عنهما ، ولا بدّ لكلّ مكوّن منهما نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد .
قلت : أما نعمة الإيجاد فهي الإظهار من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، أو من عالم الأمر إلى عالم الخلق ، أو من عالم الأرواح إلى عالم الأشباح ، أو من عالم القدرة إلى عالم الحكمة ، أو من عالم التقدير إلى عالم التكوين ، وأما نعمة الإمداد فهي قيامه