تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
تعالى بالأشياء بعد وجودها ، وإمداده إياها بما تقوم به بنيتها ، وهاتان النعمتان عامّتان ، واختص الإنسان بما اجتمع فيه من الضدين وهما النور والظلمة واللطافة والكثافة ، فلو بقيت أيها الإنسان على ما كنت عليه من العدم في عالم القدم لم تتمتع بنعمتين نعمة الأشباح ونعمة الأرواح ، ولو تجلى فيك بوجهة واحدة لكنت ناقصا في شهود المعرفة ، لأن مزيّة الآدمي في المعرفة أعظم ، إذ بقدر المجاهدة يكون الترقي في المشاهدة لما فيه من الكثافة واللطافة ، فكلما لطف من كثافة ترقى في مشاهدة ربه ، ولما فيه من النور والظلمة فكلما انتفت الظلمة قوي النور بخلاف غيره من الجن والملائكة غير المقربين ، قال اللّه تعالى في حق الملائكة :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] ، فما مثل الآدمي إلا كياقوتة سوداء ، وهي أعظم اليواقيت كلما صقلتها أشرقت وزاد نورها وجمالها ، ومثل الملائكة كالزجاج إذا صقل مرة كفاه ، ولا يزيد نوره على أصله ، فلو بقيت أيها الإنسان على ما كنت عليه من العدم أو من اللطافة بعد قبضة القدم لم يكن لك مزية على غيرك ، ومما يدلك على أن تجلي الآدمي أعظم اختصاصه بالجنة والنظر ، قال تعالى :
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
[ الزمر : 75 ] ، والكلام إنما هو مع الخواص ، فخواص الآدمي أعني الأنبياء أعظم من خواص الملائكة ، وخواص الملائكة ، أعني المقربين أعظم من خواص الآدمي ، أعني العارفين ، والعارفون أعظم من عوام الملائكة ، وعوام الملائكة أعظم من عوام بني آدم ، واللّه تعالى أعلم . فأنعم الحق سبحانه عليك أيها الإنسان أولا بنعمة الإيجاد ، وأصحبك الرأفة والوداد لتظهر مزيتك وتكمل نعمتك ، ثم أنعم عليك ثانيا بنعمة الإمداد حسية ومعنوية ، أما المدد الحسي فغذاء البشرية من أول النشأة إلى منتهاها ، وأما المدد المعنوي فغذاء الروح من قوت اليقين والعلوم والمعارف والأسرار ، ثم إن هذا المدد المعنوي من حيث هو ينقسم على ثلاثة أقسام : منه ما لا يزيد ولا ينقص ، وهو مدد الملائكة ، قال تعالى فيهم :