استحثته الرحمة التي جعلها لك في الأم مستحثّا لا يفتر ومستنهضا لا يقصر ، ثم إنه شغل الأب والأم بتحصيل مصالحك والرأفة عليك والرحمة والنظر بعين المودة منهما إليك ، وما هي إلا رأفته ساقها للعباد في مظاهر الآباء والأمهات تعريفا بالوداد ، وفي حقيقة الأمر ما كفلتك إلا ربوبيته ، وما حضنتك إلا ألوهيته ، ثم ألزم الأب القيام بك إلى حين البلوغ ، وأوجب عليه ذلك رأفة منه بك ، ثم رفع قلم التكليف عنك إلى أوان تكمل الأفهام ، وذلك عند الاحتلام ، ثم إلى أن صرت كهلا لم يقطع عنك نوالا ولا فضلا ، ثم إذا انتهيت إلى الشيخوخة ، ثم إذا قدمت عليه ، ثم إذا حشرت إليه ، ثم إذا أقامك بين يديه ، ثم إذا سلمك من عقابه ، ثم إذا أدخلك دار ثوابه ، ثم إذا كشف عنك وجود حجابه وأجلسك مجالس أوليائه وأحبابه ، قال سبحانه :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر 54 : 55 ] ، فلأيّ إحسانه تشكر ؟ ولأيّ أياديه تذكر ؟ واسمع قوله سبحانه :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] تعلم أنك لم تخرج عن إحسانه ، ولن يعدوك وجود فضله وامتنانه ، انتهى كلامه في التنوير ، وهو شرح لهذه الحكمة لاشتماله على النعمتين إيجادا وإمدادا ، ومن نعمة الإمداد المعنوي نعمة الإسلام والإحسان ، وحفظ ذلك وإدامته علينا في كل وقت وحين ، وزيادة الترقي في المعرفة واليقين إلى يوم الدين ، فالحمد للّه رب العالمين . ثم المقصود بالنظر إلى هاتين النعمتين هو الإنسان وإن كانتا عامتين في جميع الأكوان ، إذ هو المطلوب بشكرها والتحدث بذكرها ، ولذلك خصه بالخطاب كما أشار إلى ذلك بقوله :
98 - أنعم عليك أولا بالإيجاد ، وثانيا بتوالي الإمداد .
قلت : توالي الإمداد هو تتابعه واتصاله سواء كان حسيّا أو معنويّا ، ففي كل ساعة ولحظة أنت مفتقر إلى إمداده قلبا وقالبا ، كما أبان ذلك بقوله :