وأما إن كان لا يعرفه إلا في الجمال فهذه معرفة العوام الذين هم عبيد أنفسهم فإن أعطوا رضوا وإن لم يعطوا إذا هم يسخطون ، وأيضا من ثمرات المعرفة التسليم والرضا لما يجري به القضاء ، ومن ثمرات المحبة والهوى الصبر عند الشدائد والبلوى :
تدّعي مذهب الهوى ثمّ تشكو * أيّ دعواك في الهوى قل لي أينا
لو وجدناك صابرا لهوانا * لأنلناك كلّ ما تتمنّى
فلا يكون المحب صادقا في محبته ، ولا العارف صادقا في معرفته حتى يستوي عنده المنع والعطاء والقبض والبسط والفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم والفقد والوجد والحزن والفرح ، فيعرف محبوبه في الجميع ، كما قال القائل :
حبيبي ومحبوبي على كل حالة ، ويرضى ويسلم له في الجميع ، فإن لم يجد ذلك عنده سواء فلا يدعي مرتبة العشق والهوى ، فيعرف قدره ولا يتعدى طوره ، ولا يترامى على مراتب الرجال من ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان ولابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه :
فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به * شهيدا وإلا فالغرام له أهل
وقال إبراهيم الخواص رضي اللّه تعالى عنه : لا يصح الفقر للفقير حتى تكون فيه خصلتان إحداهما : الثقة باللّه ، والأخرى : الشكر للّه فيما زوي عنه مما ابتلي به غيره من الدنيا ، وقيل لبعضهم : ما الزهد عندكم ؟ قال : إذا وجدنا شكرنا ، وإذا فقدنا صبرنا ، فقال هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ ، فقال : وما الزهد عندكم أنتم ؟ قال : إذا فقدنا شكرنا ، وإذا وجدنا آثرنا ، فهذا هو الفهم عن اللّه حيث شكر حين الفقد ، فقد عد الفقد نعمة ، والفاقة غنى لما يجد فيها من المواهب والأسرار ، ولما يترقب بعدها من ورود الواردات والأنوار ، ولو لم يكن إلا التفرغ من الشواغل والأغيار ، وبهذا تزكو الأحوال ، وتعظم الأعمال ، ويتأهل صاحبها للقبول والإقبال وإلا فلا عبرة بصور وجودها مع عدم قبولها ،