تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وآله وسلم القرآن . والقرآن فيه أوصاف الرحمن . فكأنها قالت كان خلقه خلق الرحمن إلا أنها احتشمت الحضرة ، وتأدبت مع الربوبية ، ومتى منعك أو قبضك أشهدك قهره وكبرياءه ، فعرفت أنه قهار جبار ، فيعظم خوفك ، وتشتد هيبتك وحياؤك منه ، فلا جرم أن اللّه يعظمك ويكرمك ويحفظك ويستحيي منك كما استحييت منه ؛ فإن اللّه ينزل عبده على قدر منزلته منه ، وإنما يطيع العبد ربه على قدر معرفته به وخوفه منه ، فهو سبحانه في كل ذلك من إعطاء ومنع وقبض وبسط متعرف إليك أي طالب منك أن تعرفه بصفاته وأسمائه ، وما من اسم من أسمائه تعالى إلا اقتضى ظهور ما يطلبه ، فاسمه « الكريم » اقتضى الإعطاء والإحسان وهو ظاهر في خلقه ، واسمه « المانع » اقتضى ظهور المنع فظهر في عباده أيضا ، واسمه « المنتقم » اقتضى ظهوره في قوم وجههم لمخالفته ، واسمه « القهار » اقتضى ظهوره في قوم يقهرهم على ما يريد من منع أو غيره ، وظهر قهره أيضا في عباده بالموت ، فهو من مقتضى اسمه القهار ، وهكذا كل اسم يقتضي ظهوره في الوجود وكلها في بني آدم ، فإذا تحققت هذا في حالة الإعطاء والمنع علمت أيضا أنه تعالى مقبل بوجود لطفه وإبراره عليك ، إذ هو متعرف إليك في كل شيء ومقبل عليك في كل وجه ، فاطلب أيضا أنت معرفته في كل حال ، واعرف منته عليك في الجمال والجلال ، وأقبل عليه بكليتك واستسلم لقهره بروحك وبشريتك تكن عبده حقّا ، وهو ربك حقّا وصدقا ، واللّه تعالى أعلم . ويؤخذ من هذه الحكمة أن المدار إنما هو على قوة الروحانية التي هي المعرفة في الجلال والجمال ، لا على قوة البشرية ، لأن بمنعه يحصل للعبد الكمال ، وباللّه التوفيق . ثم هذا كله إنما يذوقه من يفهم عن اللّه كما تقدم ، وإليه أشار بقوله :

94 - إنّما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن اللّه فيه .

قلت : لأن الفهم عن اللّه يقتضي وجود المعرفة به ولا تكون المعرفة كاملة حتى يكون صاحبها يعرفه في الجلال والجمال والمنع والعطاء والقبض والبسط ،
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 233 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى